0

الإحسان

يقول الله تبارك وتعالى: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم .. لم يقل أكثر عملا لم يقل أو أيكم أخير عملا ..بل قال سبحانه أيكم أحسن عملا).

جعل ربنا الإحسان مقياس التميز بيننا، وقال سبحانه: (للذين أحسنوا ..)..ماذا جزاءهم يارب؟.. (الحسنى وزيادة) الجنة ورؤية الله سبحانه، ويقول سبحانه (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان )يقول ابن زيد: هل جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يُحسن إليه في الآخرة؟

ويقول تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون ءاخذين ما ءاتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين).

فالمعذب يوم القيامة على ماذا يندم؟.. هل يندم على أنه لم يكن من المتقين؟ أو يندم على أنه لم يكن من الصابرين؟ أو الشاكرين ؟كلا: (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).

إن الله كتب الإحسان على كل شيء، قد نعجب لهذا العموم، بأن يشمل الإحسان كل شيء! بدءاً من عباداتنا، وانتهاءً بصناعاتنا، فالإحسان هو الدين كله، يقول نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (إِنَّ الله كتبَ الإِحسانَ على كل شيء، فإِذا قَتَلتم فأَحسِنوا القِتْلة، وإِذا ذَبَحْتُم فأحسنوا الذَّبحَ) أي: أن الإحسان قد وصل حد الاحسان في ذبح الشاة.

 وهل يُتَصوَّر أن في القتل إحساناً؟

إن أردت أن تقتل حيواناً فينبغي أن تحسن حتى في القتل، إن أردت أن تذبح حيواناً شرع لك ذبحه، فينبغي أن تحسن الذبح.

الإحسان يشمل كل شيء، فهو مفهوم شمولي واسع جداً، من هنا جاءت هذه الآيات العديدة، التي تكاد تبلغ عشر آيات، تتحدث عن أن المحسنين يحبهم الله عز وجل، والله معهم، ولهم الجنة:

(والله يحب المحسنين)

(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً)

هذه الآية تشير إلى إتقان العمل وإحسانه، والنبي عليه الصلاة والسلام سئل فأجاب:

(سئل يا رسول الله ما الإحسان؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)

يحدثنا نبينا عن كيف تكون محسناً؟..

اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، المحسن هو الذي يبالغ في إتقان عمله وإجادته، فإن لم يبلغ المرء هذه المرتبة من معرفة الله، فلابد من المرتبة الثانية اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. إما أنك ترى أن الله يراك، وإما أن تعلم أن الله يراك، إن لم تكن في المرتبة الأولى فلا أقل من أن تكون في المرتبة الثانية، المرتبة الثانية هي الشعور باطلاع الله تعالى ورقابته عليك، وعلى كل شيء، قال تعالى:

(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)

ربنا سبحانه تحدث عن صنعه في الكون فقال: (صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) وطلب أن يفتش الناس عن مأخذ في هذه الصناعة فقال: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) سبحانه،(أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين).

فلذلك جعلنا ربنا خلفاء له في الأرض حتى نحسن في كل شيء لذلك قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته).

ديننا دين عظيم أمر بالإحسان في كل شيء..

والقاعدة الجامعة في قوله تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)

  • الإحسان في إخلاصنا لله وفي صلاتنا: (من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، صادقا من قلبه فتح الله له ثمانية أبواب من الجنة يدخلها من أي باب شاء) وفي جميع عبادتنا الشعائرية والتعامليه ..الشعائرية.
  • الإحْسَان إلى الوالدين: جاءت نصوص كثيرة تحثُّ على حقوق الوالدين وبرِّهما والإحْسَان إليهما قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).

قال القرطبي: “قال العلماء: فأحقُّ النَّاس بعد الخالق المنَّان بالشُّكر والإحْسَان والتزام البرِّ والطَّاعة له والإذعان مَن قرن الله الإحْسَان إليه بعبادته وطاعته، وشكره بشكره، وهما الوالدان، فقال تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)”.

قال الرَّازي: “أجمع أكثر العلماء على أنَّه يجب تعظيم الوالدين والإحْسَان إليهما إحسانًا غير مقيَّد بكونهما مؤمنين؛ لقوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)”.

  • الإحْسَان إلى الجار: عن أبي شُريح الخُزاعي أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت)، ويكرم جاره بالإحسان إليه وكف الأذى عنه، وتحمل ما يصدر منه، والبشر في وجهه، وغير ذلك من وجوه الإكرام.
  • الإحْسَان إلى اليتامى والمساكين: ومِن الإحْسَان إلى اليتامى والمساكين المحافظة على حقوقهم والقيام بتربيتهم، والعطف عليهم، ومدُّ يد العون لهم، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ)، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أنَّ رجلًا شكا إلى رسول الله قسوة قلبه، فقال: (امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين).
  • الإحسان في المعاملات التجارية: قال عليه الصلاة والسَّلام: (رحم الله سهل البيع وسهل الشِّراء
  • الاحسان في توفية الدَّين: ومِن الإحْسَان فيه حسن القضاء، وذلك بأن يمشي إلى صاحب الحقِّ، ولا يكلِّفه أن يمشي إليه يتقاضاه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم أحسنكم قضاءً).
  • الإحْسَان إلى المسيء: ومِن أجلِّ أنواع الإحْسَان الإحْسَان إلى مَن أساء إليك بقولٍ أو فعلٍ. قال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، ومن كانت طريقته الإحْسَان، أحسن الله جزاءه: (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)، وذكر الهرويُّ أنَّ مِن منازل إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين (الفتوَّة)، وقال: “هي على ثلاث درجات، الدَّرجة الأولى ترك الخصومة، التَّغافل عن الزلَّة، ونسيان الأذيَّة. والدَّرجة الثَّانية أن تقرِّب مَن يقصيك، وتكرم مَن يؤذيك، وتعتذر إلى مَن يجني عليك، سماحةً لا كظمًا، ومودَّةً لا مصابرةً”. وقال ابن القيِّم في ذلك: “هذه الدَّرجة أعلى ممَّا قبلها وأصعب؛ فإنَّ الأولى تتضمَّن ترك المقابلة والتَّغافل، وهذه تتضمَّن الإحْسَان إلى مَن أساء إليك، ومعاملته بضِدِّ ما عاملك به، فيكون الإحْسَان والإساءة بينك وبينه خُطَّتين فخُطَّتك: الإحْسَان. وخُطَّته: الإساءة. وفي مثلها قال القائل:

إذا مرِضْنا أتَيْناكم نَعودُكمُ        وتُذْنبون فنَأْتيكم ونَعتذرُ

ومَن أراد فهم هذه الدَّرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع النَّاس يجدها بعينها”.

  • الإحْسَان في الكلام: قال تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، قال ابن كثير: “يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطَّيبة؛ فإنَّهم إذا لم يفعلوا ذلك، نزغ الشَّيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشَّرُّ والمخاصمة والمقاتلة، فإنَّ الشَّيطان عدوٌّ لآدم وذرِّيته مِن حين امتنع مِن السُّجود لآدم، فعداوته ظاهرة بيِّنة؛ ولهذا نهى أن يشير الرَّجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإنَّ الشَّيطان ينزغ في يده، أي: فربَّما أصابه بها”.
  • الإحْسَان في الجدال: قال الله تبارك وتعالى: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، قال الشَّوكاني: “أي: بالطَّريق التي هي أحسن طرق المجادلة. وإنَّما أمر -سبحانه- بالمجادلة الحسنة لكون الدَّاعي محقًّا وغرضه صحيحًا، وكان خصمه مبطلًا وغرضه فاسدًا”. حتى مع غير المسلمين (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن).
  • الإحْسَان إلى الحيوان: ومِن الإحْسَان إلى الحيوان، إطعامه والاهتمام به، وحدُّ الشَّفرة عند ذبحه، وأن لا يحدَّ الشَّفرة أمامه، وعدم الحمل إليه أكثر مِن طاقته. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة…)، وكره أبو هريرة أن تُحَدَّ الشَّفرة والشَّاة تنظر إليها، وروى أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا أضجع شاة، فوضع رجله على عنقها، وهو يحدُّ شَفْرته، فقال له صلى الله عليه وسلم: (ويلك، أردت أن تميتها موتات؟ هلا أحددت شَفْرتك قبل أن تضجعها)، وكان عمر بن الخطَّاب ينهى أن تُذْبَح الشَّاة عند الشَّاة. قال ابن رجب: “والإحْسَان في قتل ما يجوز قتله مِن النَّاس والدَّواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه، وأسهلها. وهذا النَّوع هو الذي ذكره النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، ولعلَّه ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال، فقال: (إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة)، والقِتْلة والذِّبْحة -بالكسر- أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذَّبح، وهيئة القَتْل. وهذا يدلُّ على وجوب الإسراع في إزهاق النُّفوس التي يُبَاح إزهاقها على أسهل الوجوه. وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحْسَان في الذَّبيحة”.

وقال صلى الله عليه وسلم: (عُذِّبت امرأة في هرَّة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النَّار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل خَشَاش الأرض).

  • الإحسان في معاملة المطلقات أو من ينوي طلاقهن: قال تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء … متاعا بالمعروف حقا على المحسنين)، وقال تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)..
  • الإحسان مفتاح العلاقات الاجتماعية: قال تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها).
  • الإحسان في العلاقات الاقتصادية: (وأحسن كما أحسن الله إليك).

وفي الختام… قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: (مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلاَمِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلاَمِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ).

وصدق علي رضي الله عنه عندما قال: (الناس أبناء ما يحسنون).

(إن رحمت الله قريب من المحسنين)..

الشيخ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

facebooktwittergoogle plus

0

نصرة المظلوم

محمد رسول الله نبينا صلوات الله وسلامه عليه لم يرسل للعرب فحسب! أو للشرق فحسب! أو للغرب دون غيرهم!.. نبينا ارسل للناس كافة (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)..

لذلك كان ينصر المظلوم مسلما كان أو كافرا (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا..).. إنه ارسل للإنسانية بأكملها.. Read more →

facebooktwittergoogle plus


0

الدنيا

الدنيا

تحدث بعض الخلافات من بعض البشر في صناعة هويتهم في هذه الحياة، فهناك من يقدم فك أسر شهواته من قيودها ليفعل ما يشاء كيفما يشاء من دون مساءلة من أحد.

وهناك من يأسر نفسه ويقيدوها بتفكيره النمطي وتقيده القبلي! والناس تختلف في أنماطها هذه وذلك لعدم معرفتهم لماذا خلقوا في الدنيا:

فهناك من يرى أنه خلق لأن الحياة فرصة وقد سخرت ليستثمرها كيفما يشاء..

وهناك من يرى أنه خلق للمتعة بجميع ألوانها..

وهناك من يرى أنه خلق في دار بلاء وامتحان.. وهنا تظهر الحقيقة التي يغفل عنها بعض الناس (الذي خلق الموت والحياة- لماذا يا رب؟- ليبلوكم أيكم أحسن عملا).

إذا نحن في دار بلاء واختبار عندما نتعرف على حقيقة الدنيا .. عندها نحدد ما نفعله فيها، مع بيان أن البلاء الذي نحن فيه لا يعني أن الإنسان يعيش مقطب الجبين تعيس الحال والمحال؛ فإن من يفعل ذلك فقد خالف هدي المصطفى صل الله عليه وسلم الذي هو أشد الناس بلاء، عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه ” ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم “، مع شدة البلاء والتبسم لا يفارقه صلوات الله وسلامه عليه.

الحياة حلوة وجميلة .. فلنسعد بما فيها ولنهنأ بما فيها ولكن لنحذر من أن ننسى أنها دار بلاء واختبار

ففيها الفقير ليختبر صبره والغني ليختبر شكره وعدم تقديم شهواته على أوامر ربه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).

من مشاكلنا التي نعيشها أننا لا نقرأ القرآن بوعي! قراءتنا القرآن بوعي سينتج:

المرأة التي فهمت سبب خلقتها في الحياة الدنيا لا تتعرى في الداخل كان أم في الخارج..

الشاب الذي فهم الحياة الدنيا لا يستهتر بأرواح المسلمين فيسير بسيارته كيفما شاء وحيثما أراد..

الرجل الذي فهم مراد الله من خلقه لا يأكل أموال الناس أو يزور أو يسيء الظن في المسلمين والمسلمات..

 

لماذا يضرب الله في أكثر من موضع تشبيه الدنيا بالماء؟

قـــــــــــال تعالى :  { إِنَّمَا مَثَل الْحَيَاة الْدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاه مِن الْسَّمَاء فَاخْتَلَط بِه نَبَات الْأَرْض مِمَّا يَأْكُل الْنَّاس وَالْأَنْعَام حَتَّى إِذَا أَخَذَت الْأَرْض زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَت وَظَن أَهْلُهَا أَنَّهُم قَادِرُوُن عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلَا أَو نَهَارا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيْدا كَأَن لَم تَغْن بِالْأَمْس كَذَلِك نُفَصِّل الْآَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُوْن } [يُوْنُس:24].

وَقَــــــــــــال تَعَالَى أَيْضا : { وَاضْرِب لَهُم مَّثَل الْحَيَاة الْدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاه مِن الْسَّمَاء فَاخْتَلَط بِه نَبَات الْأَرْض فَأَصْبَح هَشِيَما تَذْرُوْه الْرِّيَاح } [الْكَهْف: مِن الْآَيَة45]

قال الحكماء: “شبّه الله – سبحانه وتعالى – الدُّنيا بالماء:

1- ﻷنّ الماء ﻻ يستقرّ في موضع، كذلك الدُّنيا ﻻ تبقى على حالٍ واحدة.

2- وﻷنّ الماء يذهب وﻻ يبقى، فكذلك الدنيا تفنى. ولا تبقى.

3- وﻷنّ الماء ﻻ يَقدر أحدٌ أن يدخلَه وﻻ يبتلّ، وكذلك الدُّنيا ﻻ يسلم أحدٌ من فتنتها وآفتها.

4- وﻷنّ الماء إذا كان بقدرٍ كان نافعًا مُنبتًا، وإذا جاوز المقدارَ كان ضاراًّ مُهلكًا، وكذلك الدُّنيا ؛ الكفافُ منها ينفع، وفضولُها يضرّ”. [الجامع ﻷحكام القرآن للقرطبيّ 289/13]

وَأَيْضا لَا يَقْدِر أَحَد أَن يَرُد الْمَطَر كَذَلِك لَا يَقْدِر أَحَد أَن يَرُد الْرِّزْق..

وَقِيْل الْمَاء قَلِيْلُه رَى لِلْعَطْشَان وَكَثِيْرِه دَاء كَذَلِك الْدُّنْيَا..

وَقِيْل الزَّرْع يُفْسِد بِالْمَاء الْكَثِيْر كَذَلِك الْقَلْب يُفْسِد بِالْمَال الْكَثِيْر..

وَأَيْضا الْمَاء كُلَّه لَا يَكُوْن صَافِيا كَذَلِك الْمَال فِيْه الْحَلَال وَالْحَرَام وَالْشُّبْهَة..

وَأَيْضا الْمَاء يُطَهِّر الْنَّجَاسَات كَذَلِك الْمَال الْطَّيِّب الْحَلَال يُطَهِّر دَنَس الْآَثَام..

ـ قد تلبس الأرض ثوباً أخضر فيه من كل أنواع الزينة والأعشاب والأزهار الطبيعية وجداول الماء فأشجار تتعانق في العلو ، وأعشاب تتسابق في فرش الأرض بمنظر يزيل الهم حتى يصل الأمر إلى أن الحقائق التي عند بعض الناس قد تتزعزع فيظن المسكين أن هذا المنظر لا فناء له ، فمتى يفنى منظر بهذه الصورة، وكيف ؟ ! كما قال الله عن بعض المخدوعين: ” وظن أهلها أنهم قادرون عليها ” فتبدلت حتى حقيقة الفناء التي يؤمن بها الجميع لكن لم تتبدل تلك الحقيقة إلا لمؤثر أكبر، وهو شدة ما رأى مما يبهر العقل من ذلك المنظر .

 

وكذلك الدنيا قد تقبل على شخص وتنفتح عليه حتى يظن أنها لن تدبر ، بل وكيف تدبر ؟! وفي النهاية يتبين أنها غرور وخداع لا يملك منها شيء .

الآيات التي صورت الحياة الدنيا ذلك التصوير تربي المسلم على التوازن في حياته، وبيان ذلك كما يلي:

قررت الآيات أن الدنيا فانية متاع زائل لا قيمة لها، لا تطلب ولا يركض وراءها.

ومع ذلك جاءت آيات تحث المسلم على العمل والكدح وطلب الرزق والضرب في الأرض. (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا..)

فهذان الخطابان يربيان في المسلم كيف يوازن بين الأمور والأدلة، فيعيش في الحياة الدنيا ويطلب رزقه ومع ذلك لا تدخل الدنيا قلبه ولا يتعلق بها.

فيعمل المسلم ويتاجر ويكدح ويجمع الأموال، لكنها تجتمع في يديه دون قلبه، ولذلك لا يحزن لفوت شيء منها ولا يفرح باجتماعها؛ لأنها لم تدخل قلبه، فضلاً أن يوالي لها ويعادي، ويغضب ويرضى لأجلها.

(تلك الدار الآخرة نجعلها..)

لا مقارنة أبداً بين الدنيا والدار الباقية دار السلام ” الجنة “، ومن تأمل النصوص ظهر له ذلك جلياً، فمثلاً:

أ ـ قال – صلى الله عليه وسلم-: “موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها” رواه مسلم.

ب ـ قال – صلى الله عليه وسلم – عن الحور العين: “ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها” رواه مسلم.

ج ـ قال – صلى الله عليه وسلم-: “يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا، والله ما مر بي بؤس قط” رواه مسلم.

 

الشيخ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

facebooktwittergoogle plus

0

التماس العذر

new-other2015هل قلوبنا طهرت من أدرانها، أم مازال من الدرن ما لم نستطع على إزالته بعد؟

هل نحن بصدق نطبق حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه

هل توجيه العتاب لذواتنا يفوق توجيه العتاب للآخرين؟

هل انتصارُنا لأنفسنا نقدمه على إنصاف الآخرين من  حيث لا نشعر؟

نشأنا وتعلمنا ورددنا كثيرا: “يا أخي إلتمس لأخيك سبعين عذرا“.. فما هو حقيقة تطبيق هذه المقولة في حياتنا؟

هذه مقولة لجعفر بن محمد حيث قال: (إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذراً واحداَ إلى سبعين عذرا، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذرا لا أعرفه)

سبعون عذرا كثييير جدا!!.. نحن نرضى بعذرين أو ثلاثة.. لكن هل حقا سنلتمس العذر للآخرين؟

قد يقول قائل: لماذا دائما أنا الذي ألتمس والآخرين لا يلتمسون؟.

أقول.. كلما تعرفت على الله وهدي نبيه صلى الله عليه وسلما، كلما يتضاءل عنك هذا السؤال.

 

التماس العذر للآخرين موضوع نحتاجه جميعا.. فليس أروح للمرء ولا أطرد لهمومه، من أن يعيش وهو يلتمس الأعذار للناس.. يقول: عنك فلان كذا.. هل تعلم ماذا يقول عن ولدك؟ هل تعلم بماذا أساء إليك؟.. وإذا رضينا لأنفسنا بسماع كل ما يقوله الناس عنا دون التثبت من قول القائل، بحجة أن الناقل ثقة تقطعت الأوصال والمحبة والأخوة! يقول تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

 

قصة الشافعي: ذكر أبو نعيم الأصبهاني موقفاً جميلاً بين الإمام الشافعي وتلميذه الربيع بن سليمان، أنَّ الربيع قال: “مرض الشافعي فدخلت عليه. فقلت: يا أبا عبد الله! قوى الله ضعفك، فقال: يا أبا محمد لو قوَّى الله ضعفي على قوتي أهلكني! .. فهنا الرجل كأنه يدعو على الشافعي بالهلاك ـ أهل اللغة يفهمون معنى العبارة جيدا.. ـ ولكن استدرك الرجل فقال قلت: يا أبا عبد الله ما أردت إلا الخير، فقال: لو دعوت الله علي لعلمت أنك لم ترد إلا الخير!)… وهذا من كثر حسن الظن بأخيه والتماس العذر بالكلمة التي قالها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (..وَلاَ تَحَسَّسُوا ، وَلاَ تَجَسَّسُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا..) بماذا بدأ نبينا صلى الله عليه وسلم (ولا تحسسوا)!

قد نغضب على الصديق ونقاطعه بسبب موقف! ولكننا نجهل الأسباب المحيطة بهذا الموقف. قد نغضب من القريب ونقاطعه بسبب تصرف! قد لا يكون مقصوداً، وربما أن هذا التصرف قد يكون اجتهاداً خاطئاً من قبل الآخر.

قد نغضب من المسؤول أو الرئيس أو المشرف بسبب تصرفه في فورة حماسته للعمل وما كان قاصداً لإهانتنا ولكن حماسته للعمل جرته إلى ما ظننا أنه إهانة.

صحيح أن الفارق بين التصرف الغاضب وبين الإهانة قد يكون دقيقاً أو يصعب تمييزه، ولكن هذا يجب ألا يفقدنا المقدرة على الهدوء والاتزان والنظر إلى الموضوع بالحكمة.. وأن ننظر إلى الجانب الايجابي في بعض المواقف، صحيح أن مساحة الزمن قد تكون ضيقة ومن ثم لا يجد المرء وقتاً كافياً للتأمل وتحليل الموقف، ولكن الصحيح أيضاً أننا لو استطعنا ضبط النفس لاستيعاب الموقف ومن ثم تحليله ومعرفة نتائجه لكان الأمر أفضل ولكانت ردة الفعل مبنية على واقع حقيقي وليس على انفعال وهمي.

علينا أن نعطي للصديق، وللقريب، وللجار وللمسؤول فرصة للعذر ما وسعنا ذلك وألا نبني أحكاماً عاجلة من شأنها أن تؤثر، أو تبتر العلاقة بأولئك لمجرد أننا أسأنا الظن أو سمعنا خطأ.. أو فسرنا تفسيراً غير سوي بحجة أننا ندافع عن كرامتنا.

والحقيقة أننا قد نخسر أولئك وقد نخسر معهم الكرامة أيضاً

تأن ولا تعجل بلومك صاحبًا .. … .. لعل له عذرًا وأنت تلوم

أيضا: تجنب الحكم على النيات.. فلان يقصد كذا وذاك يقصد كذا..

عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْحُرَقَةِ ، مِنْ جُهَيْنَةَ ، قَالَ : فَصَبَّحْنَاهُمْ ، فَقَاتَلْنَاهُمْ ، فَكَانَ مِنْهُمْ رَجُلٌ ، إِذَا أَقْبَلَ الْقَوْمُ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ عَلَيْنَا ، وَإِذَا أَدْبَرُوا كَانَ حَامِيَتَهُمْ ، قَالَ : فَغَشِيتُهُ ، أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ ، قَالَ : فَلَمَّا غَشِينَاهُ ، قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ ، وَقَتَلْتُهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : (يَا أُسَامَةُ ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْلِ ، فَكَرَّرَهَا عَلَيَّ ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ). [متفق عليه].

هذا وقد ظهر من الرجل المقتول كل الدلائل التي تثبت أنه متعوذا .. أفبعد ما يرفع عليه السيف يقول لا إله إلا الله؟ واضحة ظاهرة بكل تأكيد .. يأتي الرد من نبينا صلى الله عليه وسلم: يَا أُسَامَةُ ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ؟

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً “..

وهذا أبو دجانة رضي الله عنه: دخلوا عليه في مرضه ووجهه يتهلل! فقالوا له: ما لوجهك يتهلل؟فقال: (ما من عملِ شيءٍ أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلَّم فيما لا يعنيني، وكان قلبي للمسلمين سليمًا).

ومن حِكَم الفاروق رضي الله عنه:  “أعقل الناس أعذرهم للناس“.

قال سفيان بن حسين: ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: (أفَتسلَم منك الروم والسِّند والهند والترك، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟! قال: فلَم أعُد بعدها). [البداية والنهاية لابن كثير]

سَامِحْ أَخَـاكَ إِذَا وَافَاكَ بِالْغَلَــطِ * * * وَاتْرُكْ هَوَى الْقَلْبِ لا يُدْهِيْكَ بِالشَّطَطِ
فكم صَدِيْقٍ وفيٍّ مُخْـلِصٍ لَبِــقٍ * * * أَضْحَى عَدُوًّا بِـــمَا لاقَاهُ مِنْ فُرُطِ
فَلَيْسَ فِي النَّاسِ مَعْصُوْمٌ سِوَى رُسُلٍ * * * حَمَاهُـمُ اللهُ مِـنْ دَوَّامَـةِ السَّقَـطِ
أَلَسْتَ تَرْجُـوْ مِنَ الرَّحْمَنِ مَغْفِـرَةً * * * يَوْمَ الزِّحَـامِ فَسَامِحْ تَنْجُ مِنْ سَخَـطِ

لو أن كل واحد منا عند صدور فعل أو قول من أخيه وضع نفسه مكانه لحمله ذلك على إلتماس العذر بالآخرين، وقد وجه الله عباده لهذا المعنى حين قال سبحانه: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} [النور:12]. وأشعر الله عباده المؤمنين أنهم كيان واحد ، حتى إن الواحد حين يلقى أخاه ويسلم عليه فكأنما يسلم على نفسه: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيت لعلكم تعقلون} [النور:61].
وقال أبو حاتم بن حبان البستي في روضة العقلاء (ص:131): (الواجبُ على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإنَّ من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنَه ولم يُتعب قلبَه، فكلَّما اطَّلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإنَّ من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه وتعذَّر عليه ترك عيوب نفسه).

إن التماس العذر بالناس يحتاج إلى كثير من مجاهدة النفس لحملها على ذلك، خاصة وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولا يكاد يفتر عن التفريق بين المؤمنين والتحريش بينهم، وأعظم أسباب قطع الطريق على الشيطان هو التماس العذر بالمسلمين.

اللهم بصرنا بعيوبنا ونق صدورنا وقلوبنا واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر واختم بالصالحات أعمالنا .
رزقنا الله قلوبًا سليمة، وأعاننا على التماس العذر بإخواننا…

 

الشيخ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

 

facebooktwittergoogle plus

0

التفاؤل

التفاؤل

خلق اليوم للذين تأسوا بنبينا محمد صل الله عليه وسلم ، تأسٍ عملي وليس كلمات تردد على الألسنة ولا تطبق على أرض الواقع، الشجاع منا من يكون صريحا مع نفسه ويقول بشكل واضح: صعب علي أن أكون متفائلا في كل الأحوال وفي كل الأحيان! ،صعب أن أكون ممن يبشر الناس؛ والأمة يحدث فيها هذا القتل والذبح!

أصبحنا نعيش في عصر المسلم يقتل المسلم، ألا تنظر ما يحدث من حولك ؟سوريا مئات الآلف، فلسطين، العرق، اليمن، الفلبين، بورما، وغيرها في بقاع الأرض، والحال يزداد سوءا يوما بعد يوم، الفقر يهددنا، القتل  يتربص بنا، الجوع يطرق أبوابنا..

طيبوا أرواحكم وأسعدوها بالصلاة والسلام على رسولناﷺ كان يعجبه الفأل، ويفرح بالكلمة الطيبة يسمعها، ولا يظن بالله إلا الظن الحسن، ولا يتوقُّع منه إلا الجميل.

وكان يبغض التشاؤم ..بل يدعو على من يتشاءم:

– مرض أعرابي فعاده، وقال: (لا بأس طهور إن شاء الله) .

فيُجيب الأعرابي: قلتَ طهور؟! كلا، بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تُزِيرُه القبورَ.

فغضب ﷺ وقال: (فنعم إذًا).

– محمد ﷺعلّم أصحابه التفاؤل، ووعدهم بالمستقبل المشرق، وهم قليلٌ مستضعفون في مكة يخافون أن يتخطفهم الناس.- يقول ﷺ لخباب رضي الله عنه: (والله لَيَتِمَّن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).

ماذا صُنع لخباب؟.. لقد حول كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خباب. الذي كان يصنع لهم منه السيوف.. حولوه كله إلى قيود وسلاسل ، كان يُحمى عليها في النار حتى تستعر وتتوهج، ثم يطوًق بها جسده ويداه وقدماه..

من يقتدي بنبينا صلى الله عليه وسلم، لقد احمر وجه نبينا صلى الله عليه وسلم عندما شكى خباب ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم على شدة الحال، وهم يقولوا لنبينا صل الله عليه وسلم: (ألا تستنصر لنا؟)

– كان ﷺ متفائلاً في كل أحواله وأحيانه، فقد بشّر ﷺ أصحابه بالفتوحات والانتصارات، وهم في أحلك الأوقات، وأصعب الظروف.

– رفع أبو بكرٍ رأسه في الغار، فإذا هو بأقدام القوم، فقال : (يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره لرآنا). فقال له: (اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما

– التفت ﷺ إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال له واثقاً بربه موقناً بوعده: (لا تحزن إن الله معنا)، لتغوص قوائم فرس المطارِد لهما في الأرض إلى بطنها، فيتعثّر، ويطلب الأمان!

– هاجر ﷺ إلى المدينة بحثاً عن موطئ قدمٍ لدعوته، وفي طريقه يبشر عدواً يلاحقه، يريد قتله، بكنزٍ يناله، وسواري مَلِكٍ يلبسهما، وأعظمُ من ذلك دينُ حقٍ يعتنقه، وينعم به.

– استعرض ﷺ ميدان المعركة في بدر، وأشار بيده إلى مصارع رؤوس الكفر، ومواقع تساقطهم، لينشر روح التفاؤل بالنصر في نفوس أصحابه، قبل أن يبدأ القتال.

– ضرب الصخرة في حفر الخندق، ومع كل ضربة كان يرى نصرا، كان يشاهد فتحا، في زمنٍ زاغت فيه الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظن غيره بالله الظنونا… (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا..) مع شدة الحصار من كل الأحزاب وشدة الجوع يضرب بالصخرة..

– جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ موفداً من قريش للتفاوض يوم الحديبية، فتفاءل ﷺ باسمه وقال: (لقد سَهُل لكم من أمركم).

– كان يتفاءل بالرؤيا الحسنة، ويتوقع منها الخير، ولا يحكي إلا هي، ولا يعبّر إلا إياها.

– رأى ﷺ في منامه أنه في دار عقبة بن رافع، فأُتي برطبٍ من رطب ابن طاب، فأولّها : (بالرفعة في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن دينه قد طاب).

– كان ﷺ لا يقف عند مجرد التفاؤل، بل يتجه منها إلى العمل. ففي أُحُد رأى ﷺ أنه في درع حصينة، ورأى بقرًا مُنَحَّرَة، فأولها بأن الدرعَ الحصينةَ المدينةُ، وأما البقر المنحّرة فقال: (هو والله خير).

تفاءل بهذه الرؤيا، وفي الوقت نفسه تعامل مع الموقف بما يقتضيه، فقد عرض الأمر على أصحابه، واستشارهم، وأخذ برأي الأغلبية، ثم استعدَّ فلبس سلاحه، وأخذ أُهْبَته.

– عُنِيَ ﷺ بالاسم الحسن، الباعث على التفاؤل، وغيَّر كثيرًا من الأسماء التي كانت تحمل دلالاتٍ غير مناسبة.

– غيَّر اسم امرأة من “عاصية” إلى (جميلة).

– وسأل رجلاً عن اسمه، فقال: أصرم، قال: (بل أنت زُرْعَة).

– و غيَّر ﷺ اسم أرضٍ يقال لها “عفرة” إلى (خضرة

– و”شِعْب الضلالة” إلى (شعب الهدى).

– و غيَّر ﷺ أسماء بعض القبائل، فسمَّى “بني مغوية” (بني رشدة).

– كافح ﷺ كل نظرة تشاؤمية لا ترى في الناس أملاً لصلاح أو إصلاح، وحذّر أصحابه من هذا السلوك حين قال لهم: (إذا قال الرجل: هلك الناس ! فهو أهلكهم).

صدق من قال؛ (ليس من العار أن نسقط ولكن من العار أن لا نستطيع النهوض) (التفاؤل فن تصنعه النفوس الواثقة بفرج الله).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يا بني اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون).

 

لا نريد تفاؤل من دون عمل نحتاج إلى التفاؤل المنتج الذي يتبعه العمل، في زمن غلب فيه اليأس، واستحكم لدى بعض المسلمين القنوط وللأسف الشديد.. فبدل أن تلعن الظلام أوقد شمعة.

نريد من يتفاءل ويتحمل المسؤولية.. نريد من يتفاءل ويبحث عما وهبه الله من قدرات ومواهب ويسخرها في مرضات الله ، فالتميز الذي وهبك الله إياه هو رزق كما أن المال رزق فهذه الموهبة رزق كذلك.

نريد من يتفاءل ولا يقبل لنفسه ولا لزوجه ولا لولده فعل الحرام.. فيعيش لله وبالله ومع الله.

تفاءلوا أحسن الظن بالله.. اشترى رجل سيارة جديدة من المعرض  فإذ به يدخل شارع فيه حفر مما جعله يخرج من سيارته ويسب ويشتم في البلدية وفي.. حدث نفس الموقف لرجل آخر.. قال: الحمد لله أن جعلنا نسير في هذا الشارع وليس في الآخر فقد يكون لو سرت في الشارع الآخر أبتلى بقتل رجل قاطع للطريق. ثم حول التفاؤل لعمل فصور الحفرة وأرسل الصورة للمسئولين.

الشيخ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة

facebooktwittergoogle plus

0

الاعتذار

الاعتذار

لماذا إذا أخطأنا لا نبادر بالاعتذار؟

لماذا نتردد كثيرا في المبادرة بالاعتذار؟

هل الاعتذار منقصة ؟

أليس بالاعتذار يزداد المعتذر رفعة وسموا ؟

قد يقول قائل: لمن يُقدر ذلك!

أقول: من قال لك بأن الناس لا تقدر منك ذلك ؟ وهل بحثك عن تقدير الناس مقدم لديك على حب الله لك ورفعتك عنده؟

من الذي أفهمنا هذا الفهم الخاطئ بأن الخطأ لابد أن يكون 100% علي حتى أعتذر ؟

وهل لو كان نسبة الخطأ علي بـ40% والآخر عليه 60% .. هل انتظر منه أن يبادرَني بالاعتذار أم أسبقه أنا بالاعتذار حتى أنال أجر الاعتذار الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال:  (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)..

أنا آسف .. أنا أخطأت.. أنا أعتذر.. سامحني .. أعتذر منك..

كلمات لا يبلغها إلا الرجال الحقيقيون، الذين لا يستنكفون عن أن يُقِرُّوا بأخطائهم، ويعترفوا بتقصيرهم، لا يرون في ذلك ذلاً أو غضاضة، بل يرونه عزًا ورفعة وقوة وسموا، ولا يرون فيه قصوراً، بل يرونه كمالاً.

فلنسارع أحبتي بالاعتذار قبل أن يأتي يوم لا نستطيع أن نعتذر (هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون)..

الخلاف حدث يا أحبة بين أفضل صحابين رضي الله عنهما وهذا ردٌ على من يحسب أن الخلاف لا يكون بين القدوات والقامات!

الخلاف حدث بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولكن كان هناك الاعتذار، والاعتذار يكون من الأفضل..

عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: (كنت جالسًا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم فقد غامر. فسلَّم، وقال: إنِّي كان بيني وبين ابن الخطَّاب شيء، فأسرعت إليه ثمَّ ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى عليَّ، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر. ثلاثًا، ثمَّ إنَّ عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا. فأتى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فسلَّم، فجعل وجه النَّبي صلى الله عليه وسلم يتمعَّر ، حتى أشْفَق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم. مـرَّتين، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كَذَبْت. وقال أبو بكر: صَدَق. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مـرَّتين، فما أُوذي بعدها).

قال العيني: “حتى أشْفَق أبو بكر” أي: حتى خاف أبو بكر أن يكون من رسول الله إلى عمر ما يكره.

الخطأ يحدث بين كبار الصحابة وصغارهم يحدث بين العلماء بين الأمراء بين القدوات بين الأتقياء بين جميع الناس.. الخطأ يحدث، ولكن يتبعه الاعتذار، لأن الاعتذار يقي الناس من الهلاك لأن الاعتذار يصفي القلوب، الاعتذار يورث مودة الله، الاعتذار يورث التواضع، الاعتذار يشجع على فعل الخير، بل إن التراجع عن الخطأ بالاعتذار، خير من التمادي في الباطل بالاستكبار، ومن أنصف الناس من نفسه، لم يزده الله تعالى إلا عزًّا.

لقد أصّل رسول الله  صلى الله عليه وسلم لثقافة الاعتذار بين الناس بما يبعث بينهم المحبة، ويزرع فيهم الثقة والمودة، فنهى عن الهجر فوق ثلاث ليال، وجعل لمن بادر بالاعتذار وإلقاء السلام الفضل والرفعة، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).

إن الاعتذار مظهر حضاري، يدل على احترام الإنسان لنفسه، وتقديره لغيره، فلا ينبغي لعاقل أن يتعالى عنه، فقد قال سيدنا عمر بن الخطاب  رضي الله عنه: (أعقل الناس أعذرهم لهم).

وقد تجلت حضارة المسلمين وكانت القوة في أيديهم عندما فهموا بصدق وإدراك أنهم يعيشون من أجل رضاء الله ومن أجل ترسيخ دين الله الذي لن يقام إلا على ميزان العدل.. يدخل قتيبة الباهلي إلى سمرقند فيهلل ويكبر فرحا بالفتح، فتصل الشكاية إلى عمر بن عبد العزيز بأن جيش المسلمين دخل من دون توضيح شروط المسلمين للدخول.. فما كان من جيش المسلمين إلا أن يعتذر بأكمله اعتذارا عمليا بخروجه من سمرقند بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز بعد أن وصلت إليه الشكاية، فحكم القاضي بخروج جيش المسلمين.. فكانت النتيجة أن أهل سمرقند رفضوا أن يخرج من ديارهم من يقيمون  ميزان العدل فيما بينهم وبين أعدائهم وبين الناس جميعا.

 

ما أجمل أن تنتشر ثقافة الاعتذار في بيوتنا، فيعتذر الزوج لزوجه، وتعتذر الزوجة لزوجها، إن بدر من أحدهما خطأ، وذلك بكلمة تبعث في نفس الطرف الآخر الرضا والقرار، وتشعره بإعادة الاعتبار، وتوثق بينهما عرى المحبة والاستقرار، وقد روي عن أبي الدرداء أنه قال لزوجته أم الدرداء رضي الله عنهما: (إذا غضبتِ أرضيتك، وإذا غضبت فأرضيني، فإنك إن لم تفعلي ذلك فما أسرع ما نفترق). وبذلك يكون الأبوان قدوة لأولادهما في الاعتذار والعفو والتسامح، والحب والتصالح.

إن الاعتذار شجاعة لا تقلِّل من قيمة المرء، بل تزيده مكانة ورفعة، ولو كان من أب لابنه، أو أستاذ لطالبه، أو مدير لموظفه، فهذه مروءة وشهامة ونبل وكرامة.

ولنحذر من ترك الاعتذار مظنة شماتة المُعتذر له ونشر ذلك بين الناس.. فثق تماما أخي أن كل ذلك ظن من تلبيس الشيطان حتى لا تحرك شفتيك بالاعتذار.. وإن حدث ذلك فأعتقد أنه لا يهمك ذلك لأنك تعتذر إرضاء لله وثق تماما بربك لأنك ستنهل من اعتذارك كل ألوان الخير في الدنيا والآخرة.

الاعتذار يكون بعبارات جميلة، وكلمات حسنة رقيقة..

يقول محمد الإسحاقي :

إذا اعتذر الجاني محا العذرُ ذنبَه   ***   وكان الذي لا يقبلُ العُذرَ جانيا

وصدق الله إذ يقول: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عظيم).

ومما يدمي القلب ، ويفطر الفؤاد كمدا أن هناك من يجلس بيننا ويصلي معنا وهو يعاند ويكابر  ويصر ويستكبر في  أن لا يطلق شفتاه ليعتذر لوالداه.. عجيب أمر هذا الذي لا يريد أن يقول: أمي أنا آسف، أبي أنا آسف..

– لماذا لا تعتذر؟..

يقول: وما يدريك أيها المسكين ماذا قال لي والدي ماذا فعلت في أمي؟..

هل هناك أشد من هذا الظلم؟ لا حول ولا قوة إلا بالله هل فعلوا كل ذلك.. نعم وأشد.. وهل تعلم ما هو المطلوب منك أم نسيت؟ الله يخبرك لو أنهم فعلوا أشد ألوان الظلم ليس بأمرك أن تزني أو أن ترابي كلا بل أمروك أن تشرك بالله  ليس ذلك فقط بل أخذوا يمارسون معك شتى أنواع الضغوط لتشرك  بالله: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا..) لو ظلموك أشد ألوان الظلم فعليك أن تحاور بأدب وتتكلم بأدب وتتحدث بأدب وتذهب إلى من يستطيع أن يؤثر عليهما .. والمطلوب منك أن تكون بارا بهما قولا وفعلا والله يتولى الحساب يوم القيامة..

الاعتذار يمحو الذنوب ..

(فمن عفا وأصلح فأجره على الله)

(ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)

اللهم طهر قلوبنا..

 

الشيخ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

 

facebooktwittergoogle plus

0

الإصلاح بين الزوجين

الإصلاح بين الزوجين

 

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا ﴾

من هو الحكم؟ أولاً الحكم إنسان يتصف بصفات القاضي، الصفات الأولية الأساسية للقاضي أنه يعدل، يدقق، يملك معلومات دقيقة، يسأل، يستقصي، يستجوب، يبحث،لا بد من معلومات دقيقة يبني عليها القاضي حكمه، هذه الصفة العقلية في القاضي، ولا بد من نفس نزيهة تتحرى العدل، من هو الحكم؟ الذي يستقصي المعلومات بدقة بالغة، ثم يحكم بنزاهة بالغة، ليس أي إنسان يكلف أن يصلح بين الزوجين يَصلُح أن يُصلِح بينهما:

﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً﴾

هو يعلم أنه في مشكلة إما مالية، أو اجتماعية، أو نفسية، أو ثقافية بين الزوجين، هو مطلع، أي معه المدى العميق:

﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾

هذا المنهج لو طبق لكان الطلاق قليلاً جداً ؛ لذلك لو أن إنساناً شكا زوجته إلى إنسان قال له: طلقها، هذا لا يفهم، أنت بحاجة إلى رجل وجيه عنده خبرات، دين،نزيه في إصدار الحكم، على صلة بها، مطلع على أحوال الزوجين، وأنت بحاجة إلى حكما من طرف الزوج وقور، نزيه، دقيق، على اطلاع بأحوال الزوج، هذان الحكمان حكمهما نافذ:

﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾

 ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق ، والشارع يسعى إلى التوفيق; ولهذا قال تعالى : ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً

بعضهم قال: الألف في (يريدا) هي ضمير متصل في محل رفع فاعل، يعني إن أرادا، من هما؟ علماء قالوا: الحكمان، وعلماء قالوا: الزوجان، إذا كان الزوج صادقاً يريد أن تسير الحياة الزوجية وفق منهج الله، والزوجة أيضاً لا تحب أن تكون امرأة عصيةً لله، لكن نشأ سوء تفاهم بينهما، إن أرادت الزوجة أن تكون زوجة واعية تحمل كل صفات النضج، وإن أراد الزوج أن يكون زوجاً متقياً لله عز وجل:

﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾

ذلك أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، أنت الذي تجد أن هذه الزوجة لا تنسجم، ولا تنصاع، تتأبى الحق، لو أن الله سبحانه وتعالى أصلحها لك لصلحت، والدليل قول الله عز وجل:

﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ [ سورة الأنبياء: 90 ]

يقول أحد السلف: أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، إما أن تلين، وتخضع، وتحسن، وإما أن تتأبى، وتستنكف، وتعصي، لو أن الزوج يعصي الله خارج البيت لوجد في الزوجة تأبياً ورفضا عن طاعته، لو كان متعمقاً في الأمر لعلم أن هذا عقاب له على تفلته من منهج الله لذلك فسر البعض قول الله تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة.. ﴾ بالزوجة الصالحة.
عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها ، مع كل واحد منهما فئام من الناس ، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما – الإشكالية عند البعض أن يخوضوا في المشكلة أمام الجميع-، فقال علي رضي الله عنه للحكمين : أتدريان ما عليكما ؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا ، جمعتما . فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله لي وعلي . وقال الزوج : أما الفرقة فلا . فقال علي : كذبت ، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله ، عز وجل ، لك وعليك .

وتأتي (يريدا) ضمير رفع متصل تعود على الحكمين فالحكم إن أراد الإصلاح يوفق،وهناك حالات كثيرة تنهي بالإصلاح لحسن نية الحكمين واعتنائهما بدراسة المشكلة من جميع الزوايا.

لذلك إخوتي ندب الإسلام إلى المشاركة في الإصلاح وعدم الاعتذار إلا في حالة عدم وجود الأهلية لذلك فقال تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بمعروف أو إصلاح بين الناس..﴾.

عن أبي الدرداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا بلى قال صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة” قال أبو عيسى هذا حديث صحيح، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين“.

 

وللإصلاح فقه ومسالك دلت عليها نصوص الشرع وسار عليها المصلحون المخلصون ، ومنها :
1. استحضار النية الصالحة وابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى:  ” ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله نؤتيه أجرا عظيما
2. تجنب الأهواء الشخصية والمنافع الدنيوية فهي مما يعيق التوفيق في تحقيق الهدف المنشود .
3. لزوم العدل والتقوى في الصلح.
4. أن يكون المصلح عاقلا حكيما منصفاً في إيصال كلِّ ذي حقٍّ إلى حقِّه مدركا للأمور متمتعا بسعة الصدر .
5. سلوك مسلك السر والنجوى.
6. الحذر من فشو الأحاديث وتسرب الأخبار .
7. اختيار الوقت المناسب للصلح بين المتخاصمين حتى يؤتي الصلح ثماره ويكون أوقع في النفوس .
8. أن يكون الصلح مبنيا على علم شرعي يخرج المتخاصمين من الشقاق إلى الألفة ومن البغضاء إلى المحبة .
9. التلطف في العبارة واختيار أحسن الكلم في الصلح
10. الرفق في الصلح وترك المعاتبة لإبقاء المودة 11. ابدأ بالجلسات الفردية بين المتخاصمين لتليين قلبيهما إلى قبول الصلح مع الثناء على لسان أحدهما للآخر .
12. وأخيرا .. الدعاء.. الدعاء بأن يجعل الله التوفيق حليفك وأن يسهل لك ما أقدمت عليه مع البراءة إليه سبحانه من قوتك وقدرتك وذكائك وإظهار العجز والشدة والحاجة إليه للتأييد والتوفيق .

 

وختاما أحبتي..

تذكروا نعمة الزواج وأن الشيطان حريص لإفساد هذه النعمة قال تعالى (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)

عن جابر رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم :” إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجىء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته – قال – فيدنيه منه ويقول نعم أنت ” أخرجه مسلم.

لأجل سعي الشيطان لإفساد الحياة الزوجية فقد لا توجد المحبة إلا بعد سنة فلا تستعجل فإن العجلة من الشيطان ، وذم الله العجلة بقوله {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا}.

facebooktwittergoogle plus