0

الأخوة

الأخوة

الأخوة في الله نعمة عظيمة من الله، وفضـل كبير من الله يغدقهـا على المؤمنين الصادقـين، الأخـوة شراب طهور يسقيه الله للمؤمنـين الأصفياء أصحاب القلوب الطاهرة.

لذا فإن الأخوة في الله قرينة الإيمان لا تنفك عنه، ولا ينفك الإيمان عنها فإن وجدت أخوة من غير إيمـان، فاعلم يقيناً أنها التقـاء مصالح، وتبادل منافع، وإن رأيت إيمان بدون أخوة صادقة فاعلم يقيناً أنه إيمان ناقص يحتاج صاحبه إلى دواء وعلاج لمرض فيه، لذا جمع الله بين الإيمـان والأخوة في آية جامعة فقال سبحانه:  (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)  [ الحجرات: 10 ].

فالمؤمنون جميعاً كأنهم روح واحدة حل في أجسام متعددة كأنهم أغصان متشابكة تنبثق كلها من دوحة واحدة، بالله عليكم أين هذه المعاني الآن؟!!

لذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه أراد أن يغرس هذه الأخوة فينا فقال

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى). [ أخرجه البخاري ومسلم ]

عن أبي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ). [ أخرجه البخاري ومسلم]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا – أن يزيد في ثمن سلعة ينادي عليها في السوق ولا رغبة له في شرائها، بل يقصد أن يضر غيره – وَلا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا , الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ , ولا يَحْقِرُهُ , التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ). [ أخرجه البخاري ، ومسلم واللفظ له]

أيها الإخوة في الله ..آية (إنما المؤمنون إخوة) آية تحتم علينا حقوق كثيرة، وتراحم وفير لذلك ختمها الله لعلكم ترحمون..

نشير إلى ثلاثة حقوق من تلك الحقوق الكثيرة:

أولاً: نبذ العنصرية:

وقف أبو سفيان زعيم قريش بباب عمر رضي الله عنه ساعات طويلة فلم يؤذن له في حين أن صهيباً الرومي وبلالاً الحبشي يدخلان ويخرجان دونما استئذان ، فحزَّ ذلك في نفس أبي سفيان ، وعاتب بذلك عمر رضي الله عنه حينما قابله، فما كان من عمر إلا أن قال لأبي سفيان :

(أنت كبلال وصهيب ؟)

جَبَلة بن الأيهم آخر ملوك بني غسان في الشام ، أسلم في عهد عمر رضي الله عنه ، وفي أثناء طوافه بالبيت ، داس بدوي طرف ثوبه فلطمه جَبلة لطمةً هشمت أنفه ، فاشتكى هذا البدوي الجريح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فاستدعى عمر جبلة ، وسأله:

 أصحيح يا بن أيهم ؟ أصحيح ما ادعى هذا الجريح ؟

فقال جبلة: لست ممن ينكر أو يكتم شيئاً، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي.

فقال له عمر : أي حق يا بن أيهم ؟ .. عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم ، نزوات الجاهلية ، ورياح العنجهية قد دفناها ، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً .

ثم قال : أرض الفتى ، لابد من إرضائه ، أو يُهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك ..

فقال جبلة : كيف ذاك يا أمير المؤمنين ، وهو سوقة ، وأنا صاحب تاج .

فأعاد عمر على مسامعه : نزوات الجاهلية ورياح العنجهية دعك من هذا وجنبني اللجاجة ، أنتما ندان في ظل الرسالة .

قال تعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )

ثانياً: الوقوف بجانب الضعيف :

حين اعتق سيدنا الصديق بلالاً رضي الله عنه ،غاظ ذلك أمية بن خلف سيده السابق ، فقال لسيدنا الصديق : خذه فو اللات والعزى لو أبيت إلا أن تشتريه بدرهم لبعتك (أي لبعتك إياه) فأجابه الصديق حفاظاً على مشاعر بلال أخيه الجديد : (والله لو أبيتم أنتم إلا مائة أوقية لدفعتها لكم).

ثالثا: تفريج الكرب:

فمن حق المسلم على المسلم إن استطاع أن يعينه في أمر من أمور الدنيا أن لا يبخل عليه، فأنت يا مسلم لئن مشيت في حاجة أخيك المسلم أفضل عند الله تعالـى من أن تعتكف في المسجد شهراً وثبت الله قدمك يوم تزل الأقدام.

وفي صحيح مسلم من حديث أبى هـريرة يقول المصطفي  : (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه…) وماذا تنتظر من خير أكثر من أن الكريم سبحانه يكون في عونك؟

عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه فيقول: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة؛ فحَثَّ الناس على الصدقة؛ فأبطئوا عنه حتى رُئيَ ذلك في وجهه, قال: ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصُرَّةٍ من وَرِقٍ, ثم جاء آخر, ثم تتابعوا حتى عُرِفَ السرورُ في وجهه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً؛ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ, وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ).

فالبدار بنصرة إخواننا المستضعفين في كل مكان..

طفل سوري خرج جثة هامدة على شاطئ البحر، وعوائل كاملة تفر من جحيم الحرب والقتل ومن بطش الجبابرة في سوريا، تبحث عن مغيث.. تبحث عن مستضيف.. تبحث عن مستقبل ومرحب بهم.

بحقٍ ما هو معنى أخوة الدين إن لم تكن هنا؟ ..

فلا تجد إلا البحر الذي تكلم بمشهد هذا الطفل أمام العالم بأسره.. حتى نطق الشاعر معبرا عن الموقف قائلا:

أتوك يا بحرُ والأهوالُ عاصفة    …   فارفقْ بهم إنهم قد أصبحوا غُرَبا..

رأوك أرحمَ من أبناءِ جِلدَتهم    …   واستأمنوك فلا تقطعْ بهم سببا..

يا بحرُ كنْ مركباً سهلاً فقد ركبوا    …   إليكَ من طُرُق الأهوالِ ما صَعُبا..

رأوك أرحمَ من أبناءِ جِلدَتهم    …   واستأمنوك فلا تقطعْ بهم سببا..

رأوكَ أرحمَ منا بعد أن وجدوا    …   منا التخاذل والتّسويفَ والكذبا..

حتى هديرُكَ والأمواجُ صاخبة    …   رأوه أرحم ممن جار واغتصبا..

يا بحرُ رفقاً بهم حتى يكون لهم    …   نصرٌ من الله يمحو الهمَّ والتعبا..

 

أحبتي .. ما يحدث هو بمرئاً من الله ومسمعٍ .. وصدق سبحانه إذ يقول: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم).

دعوة.. لتحويل الألم إلى أمل..  والأمل إلى عمل..

فها هي الجمعيات الخيرية من: ندوة عالمية، ونماء، وهيئة إغاثة، وغيرها.. تنتظر من الجميع الأخوة الصادقة مع أخوانهم المنكوبين في سوريا وبورما وغيرها..

وليس هناك عذر لأحد فالجهات الخيرية في البلاد متوافرة ولله الحمد، ومصرح لها بالعمل، ومراقبة مالية، بقي دورنا نحن ..

هل يصعب على كل فرد أن يذهب لأحد هذه الجهات المنتشرة فروعها في كل الأحياء ليكفل يتيما في سوريا أو بورما أو أسرة أو يدعم بشيء مستمر؟

ابتلاهم الله بذلك الحال الصعب..  وابتلانا الله بهم.. فلنرى الله من أنفسنا خيرا.

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) .

الأُخُوَّةُ الصادقةُ المبنيَّة على المحبَّة في الله، وعلى تقوى الله، هي التي تبقى في الدُّنيا والآخرةِ، فكلُّ صديقٍ عدوٌّ يوم القيامة لصديقهِ؛ إلاّ المتقين. قال تعالى: {الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ}.

 

الشيخ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

 

 

 

facebooktwittergoogle plus

0

الإصلاح بين الزوجين

الإصلاح بين الزوجين

 

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا ﴾

من هو الحكم؟ أولاً الحكم إنسان يتصف بصفات القاضي، الصفات الأولية الأساسية للقاضي أنه يعدل، يدقق، يملك معلومات دقيقة، يسأل، يستقصي، يستجوب، يبحث،لا بد من معلومات دقيقة يبني عليها القاضي حكمه، هذه الصفة العقلية في القاضي، ولا بد من نفس نزيهة تتحرى العدل، من هو الحكم؟ الذي يستقصي المعلومات بدقة بالغة، ثم يحكم بنزاهة بالغة، ليس أي إنسان يكلف أن يصلح بين الزوجين يَصلُح أن يُصلِح بينهما:

﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً﴾

هو يعلم أنه في مشكلة إما مالية، أو اجتماعية، أو نفسية، أو ثقافية بين الزوجين، هو مطلع، أي معه المدى العميق:

﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾

هذا المنهج لو طبق لكان الطلاق قليلاً جداً ؛ لذلك لو أن إنساناً شكا زوجته إلى إنسان قال له: طلقها، هذا لا يفهم، أنت بحاجة إلى رجل وجيه عنده خبرات، دين،نزيه في إصدار الحكم، على صلة بها، مطلع على أحوال الزوجين، وأنت بحاجة إلى حكما من طرف الزوج وقور، نزيه، دقيق، على اطلاع بأحوال الزوج، هذان الحكمان حكمهما نافذ:

﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾

 ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق ، والشارع يسعى إلى التوفيق; ولهذا قال تعالى : ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً

بعضهم قال: الألف في (يريدا) هي ضمير متصل في محل رفع فاعل، يعني إن أرادا، من هما؟ علماء قالوا: الحكمان، وعلماء قالوا: الزوجان، إذا كان الزوج صادقاً يريد أن تسير الحياة الزوجية وفق منهج الله، والزوجة أيضاً لا تحب أن تكون امرأة عصيةً لله، لكن نشأ سوء تفاهم بينهما، إن أرادت الزوجة أن تكون زوجة واعية تحمل كل صفات النضج، وإن أراد الزوج أن يكون زوجاً متقياً لله عز وجل:

﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾

ذلك أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، أنت الذي تجد أن هذه الزوجة لا تنسجم، ولا تنصاع، تتأبى الحق، لو أن الله سبحانه وتعالى أصلحها لك لصلحت، والدليل قول الله عز وجل:

﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ [ سورة الأنبياء: 90 ]

يقول أحد السلف: أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، إما أن تلين، وتخضع، وتحسن، وإما أن تتأبى، وتستنكف، وتعصي، لو أن الزوج يعصي الله خارج البيت لوجد في الزوجة تأبياً ورفضا عن طاعته، لو كان متعمقاً في الأمر لعلم أن هذا عقاب له على تفلته من منهج الله لذلك فسر البعض قول الله تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة.. ﴾ بالزوجة الصالحة. عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها ، مع كل واحد منهما فئام من الناس ، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما – الإشكالية عند البعض أن يخوضوا في المشكلة أمام الجميع-، فقال علي رضي الله عنه للحكمين : أتدريان ما عليكما ؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا ، جمعتما . فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله لي وعلي . وقال الزوج : أما الفرقة فلا . فقال علي : كذبت ، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله ، عز وجل ، لك وعليك .

وتأتي (يريدا) ضمير رفع متصل تعود على الحكمين فالحكم إن أراد الإصلاح يوفق،وهناك حالات كثيرة تنهي بالإصلاح لحسن نية الحكمين واعتنائهما بدراسة المشكلة من جميع الزوايا.

لذلك إخوتي ندب الإسلام إلى المشاركة في الإصلاح وعدم الاعتذار إلا في حالة عدم وجود الأهلية لذلك فقال تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بمعروف أو إصلاح بين الناس..﴾.

عن أبي الدرداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا بلى قال صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة” قال أبو عيسى هذا حديث صحيح، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين“.

 

وللإصلاح فقه ومسالك دلت عليها نصوص الشرع وسار عليها المصلحون المخلصون ، ومنها : 1. استحضار النية الصالحة وابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى:  ” ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله نؤتيه أجرا عظيما ” 2. تجنب الأهواء الشخصية والمنافع الدنيوية فهي مما يعيق التوفيق في تحقيق الهدف المنشود . 3. لزوم العدل والتقوى في الصلح. 4. أن يكون المصلح عاقلا حكيما منصفاً في إيصال كلِّ ذي حقٍّ إلى حقِّه مدركا للأمور متمتعا بسعة الصدر . 5. سلوك مسلك السر والنجوى. 6. الحذر من فشو الأحاديث وتسرب الأخبار . 7. اختيار الوقت المناسب للصلح بين المتخاصمين حتى يؤتي الصلح ثماره ويكون أوقع في النفوس . 8. أن يكون الصلح مبنيا على علم شرعي يخرج المتخاصمين من الشقاق إلى الألفة ومن البغضاء إلى المحبة . 9. التلطف في العبارة واختيار أحسن الكلم في الصلح 10. الرفق في الصلح وترك المعاتبة لإبقاء المودة 11. ابدأ بالجلسات الفردية بين المتخاصمين لتليين قلبيهما إلى قبول الصلح مع الثناء على لسان أحدهما للآخر . 12. وأخيرا .. الدعاء.. الدعاء بأن يجعل الله التوفيق حليفك وأن يسهل لك ما أقدمت عليه مع البراءة إليه سبحانه من قوتك وقدرتك وذكائك وإظهار العجز والشدة والحاجة إليه للتأييد والتوفيق .

 

وختاما أحبتي..

تذكروا نعمة الزواج وأن الشيطان حريص لإفساد هذه النعمة قال تعالى (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)

عن جابر رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم :” إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجىء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته – قال – فيدنيه منه ويقول نعم أنت ” أخرجه مسلم.

لأجل سعي الشيطان لإفساد الحياة الزوجية فقد لا توجد المحبة إلا بعد سنة فلا تستعجل فإن العجلة من الشيطان ، وذم الله العجلة بقوله {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا}.

facebooktwittergoogle plus

0

وحدة الصف

وحدة الكلمة ، وحدة الصف ، الاعتصام ، الأخوة ، جمع الكلمة ، الوحدة ، الاتحاد ، التآلف ، المجتمع الواحد ، الوطن الواحد….الخواعتصموا

 

كلمات الكل يحبُها وينادي فيها ، ولكن من الذي يطبقُها؟ من الذي يتنازلُ من أجل أخيه المسلم؟  كيف ننادي أن نكون في وطنٍ وأمةٍ متحدين وبعضنا إذا اختلفت معه في مسألة فقهيةٍ كرهك وصنفك وحاربك واتهمك

 

إن الحاجة ماسةٌ إلى الوصية والتأكيد على معاني الاجتماع والائتلاف. والقرآن تحدث في آيات كثيرة عن ذلك.

 

الآيةُ التي تردد كل جمعة:

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ *وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا. ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».

 

كيف تعامل الأنبياء مع الخلاف؟

 

كان الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ دعاة لوحدة الصف وجمع الكلمة، قال الإمام البغوي: «بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة».

 

وقد اختلف الأنبياء من قبل في الرأي، فاختلف موسى وهارن: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا بْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 92 – 94].

 

ولو وقع مثل هذا الأمر في عصرنا فقد تجد من يتهم مثل هارون بأنه سكت عن إنكار الشرك الأكبر، وأن المسألة خلل في الاعتقاد وانحراف في المنهج….إلخ. وبغض النظر عن الأصوب من الاجتهادين فالخلاف حصل، وعذر كل منهما الآخر.

 

اختلف الخضر وموسى، واختلف سليمان وداود: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْـحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِـحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْـجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 78 – 79]، واختلفا ـ عليهما السلام ـ في شأن المرأتين اللتين اختصمتا في الابن، واختلف آدم وموسى.

 

ولم يكن هذا الخلاف موجباً للفرقة والاختلاف.

 

واختلفت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في شأن قاتل المائة حين مات بين القريتين.

 

لقد اختلف صحابة رسول الله صل الله عليه وسلم في مسائل كثيرة فلم يلمز أحدهم الآخر، لم يكره أحدهم الآخر ولم يصنف أحدهم الآخر أنت تنتمي لمدرسة ابن عباس والآخر يقول أنت تنتمي لمدرسة ابن مسعود.. ولم يقلل أحدهم شأن الآخر ليكونوا كل حزب بما لديهم فرحون

 

وعلى سبيل المثال:

 

مسألة رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء والمعراج وهذه مسألة في الاعتقاد، ففي الوقت الذي يؤيد فيه ابن عباس الرؤية تنفي فيه عائشة وعبد الله بن مسعود وأبو ذر رضي الله عنهم أجمعين الرؤية كذلك. فهذه المسألة لا يضلل فيها المخالف ولا يبدع؛ لأن الخلاف قد وسع الصحابة رضي الله عنهم في هذه القضية، مع أننا لو دققنا النظر لما وجدنا أي خلاف بين مذهب ابن عباس ومذهب عائشة وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين

 

نقل الحافظ في الفتح عن القرطبي قوله: «مَنْ تَأَمَّلَ مَا دَار بَيْنَ أَبِي بَكْر وَعَلِيٍّ مِنْ الْمُعَاتَبَةِ وَمِنْ الاعْتِذَارِ وَمَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ مِنْ الإنْصَافِ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِ الآخَرِ، وَأَنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ مُتَّفِقَة عَلَى الاحْتِرَام وَالْمَحَبَّة، وَإِنْ كَانَ الطَّبْع الْبَشَرِيّ قَدْ يَغْلِب أَحْيَانًا لَكِنَّ الدِّيَانَة تَرُدُّ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ».

 

إنها النفوس التي صفت وتسامت على حظوظها، فلم يجد الهوى بينهم مكاناً، وحين يحصل بينهم ما يحصل بين البشر لا يمنعهم ذلك من العدل، ولا يقودهم إلى تتبع الزلات وملاحقة العثرات.

 

من سمات أهل السنة الاجتماع والائتلاف، وهم من أشد الناس حرصاً عليه ودعوة له، كيف لا وهم الجماعة وهم السواد الأعظم.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها. وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله كما قال ـ تعالى ـ: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14]. فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب».

 

ويقول ابن القيم ـ رحمه الله داعيا لاحترام أهل العلم والفضل من العلماء ـ: «ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور، بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين».

 

لماذا لم يخبر النبي ” صلى الله عليه وسلم” عن المنافقين صحابته الكرام، وترك ذلك سرا؟

 

مع أن أعمالهم مشينة، أنهم كانوا يشككون في انتصار الإسلام، ويحاولون دائما تثبيط همم الصحابة رضوان الله عليهم، بادعائهم أن ما يقومون به مغامرات ستكون عواقبها وخيمة عليهم.

 

ففي غزوة الخندق لما ضيق العدو على المسلمين، وعظم البلاء عليهم، وجد بعض المنافقين ذلك فرصة لخلق البلبلة في صفوف جيش النبي  ” صلى الله عليه وسلم”، فقال: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط».

 

وقال آخر: «يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة».

 

فلما كثر الكلام، وتكلم المنافقون بكلام قبيح، تدخل النبي ” صلى الله عليه وسلم” ليعالج إرجافهم، فقال: «والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة والبلاء، فإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا، وأن يدفع الله عز وجل مفاتح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله».

 

إن هذا التعامل الراقي من الرسول صلى الله عليه وسلم يعود لحكم منها:

 

ـ أن الإسلام يعلمنا كيف نحكم على ظواهر الناس، ونترك سرائرهم للخالق عزوجل.

 

ـ أن في سترهم تحفيزا على الاجتهاد في العمل، وترك أعمالهم الدنيئة، لأن كل واحد من الصحابة يخشى على نفسه أن يكون منهم

 

ـ أن من كان خطر إظهار أمره أشد من خطر إخفائه، فالأولى ستره.

 

ولو فضح النبي ” صلى الله عليه وسلم”  أمرهم، لأدى ذلك إلى فتنة عظمى، لأن هؤلاء المنافقين كانوا ينتمون إلى قبائل مختلفة، فلو كشف النبي ” صلى الله عليه وسلم”  أمرهم لعيرت كل قبيلة غيرها بمنافقيها، وربما أدى ذلك إلى نبذهم داخل المجتمع، وذلك قد يكون سببا في عدم توبتهم.

 

قال الإمام الشافعي رحمه الله مبينا منهج النبي ” صلى الله عليه وسلم”  في حكمه على ظواهر المنافقين: «وفي سنة رسول الله  ” صلى الله عليه وسلم”  في المنافقين دلالة على أمور، منها: لا يقتل من أظهر التوبة من كفر بعد إيمان، ومنها أنه حقن دماءهم وقد رجعوا إلى غير يهودية، ولا نصرانية، ولا مجوسية، ولا دين يظهرونه، إنما أظهروا الإسلام، وأسروا الكفر، فأقرهم رسول الله  ” صلى الله عليه وسلم”  في الظاهر على أحكام المسلمين، فناكحوا المسلمين، ووارثوهم، وأسهم لمن شهد الحرب منهم، وتركوا في مساجد المسلمين».

 

الشيخ خالد عبد الكافي

 

إمام وخطيب مسجد عائشة

facebooktwittergoogle plus

0

والله لا يخزيك الله

إن من يريد أن يرزق السعادة في الدارين، نصر وتمكين.. وعزة في الدنيا وجنة عرضها السماوات والأرض في الآخرة والله لا يخزيكفعليه أن يحرص على قوة إيمانه ويجد ويجتهد في عمل الصالحات: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).

 

ما هي الأعمال الصالحة التي توصلني لذلك؟

 

لنعي جيدا أن العمل الصالح الذي نقدمه ليس بشرط أن نقدمه للمسلمين دون غيرهم: (وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ولم يختص الأمر في الآية وقولوا للمؤمنين حسنا بل وقولوا للناس حسنا..

 

ولنرجع للوراء لنتعرف عن المخزون الكبير الذي كان يتصف به نبينا صلى الله عليه وسلم قبل أن يباشر الدعوة وقبل أن يباشر الإصلاح وقبل أن يدعوا الناس للإسلام ليكون هو المصباح الذي ينتشر به هذا الدين في جميع أصقاع الأرض إلى يوم القيامة وليس لوقت محدود..

 

بعد أن نزل عليه الصلاة والسلام من غار حراء وشاهد عظمة جبريل عليه السلام وشعر بضعفه، تقول له زوجته العظيمة خديجة رضي الله عنها:

 

كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

 

توضح له بكل صراحة أن الله لن يخزيه لعلة واحدة، هي أنه مواظب على جملة من العبادات الاجتماعية.. فلن يخزي الله من وصل الرحم، وصدق الحديث، وحمل الكَل، وأكرم الضيف، وأعان على نوائب الدهر!

إنها تتحدث إلى زوجها كطبيبة نفوس، وكفيلسوفة فكر، وكعالمة في سنن الله ونواميسه في الخليقة..

إنها بكلماتها تلك تسبق ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والآفات والهلكات…” [صحيح، الحاكم، عن أنس].

هذا القلب الكبير الذي يحمل كُل هذا الخير للناس لا يخزيه الله، لن يصل الحُزن إلى قلبه، ولن يصل الخوف من الناس إلى وجدانه، بل ستنعم حياته، وينعم قلبه، ويزهو ويفرح، وينجلي غبار الضنك عن رأسه.

  • كلا..

لن يحزن قلبك، ما دام يحمل الخير للناس..

  • أبشر..

سيندمل الجرح، ويزول الوجع، وستمضي في طريق الحياة بهذا القلب الخيّر، يفيض منه النور إلى البشر، وتسرج به قلوبًا غلفًا، وعيونًا عميا، وآذانًا صما.

  • فوالله لا يخزيك الله أبدا..

لست أنت بالوجه الذي يرده الله، ولست أنت بالعبد الذي يتخلى عنه ربه، فأنت عبد أكرمت عباده، أشبعت جوعتهم، وأذهبت ظمأتهم، وكسوت عورتهم، ومسحت على رأس اليتيم، فكنت الأب، وعفوت عمن أساء إليك فكنت الأم:

وإذا رحمت فأنت أمٌّ أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء

لا يخزيك.. ولم ولن يخزيك الله أبدًا.. فأنعم بحياتك!

  • إنك لتصل الرحم

فمن قطعك قمت بوصله، لا يسمعوا منك قومك إلا كل خير، ولم يروا منك إلا كل صلاح.. أنت لكبيرهم ابن، ولصغيرهم أب، ولصاحبهم أخ.

  • تصدق الحديث

لا تكذب أبدًا، لا تغش أبدًا، لا تزور شهادة، ولا تدلس مقالة، لم يُعهد عليك كذبة واحدة في حياتك، ولم تتلطخ لحظة واحدة في براثن الكذب.

  • تحمل الكَل

وهو العاجز، لا تُعينه وفقط، بل تحمله! ولا تحمله فقط، بل تحمله وحاجته! لا ينزل عنك إلا وقد قضيت مسألته، ورحمت ذلته، وأسعدت قلبه.

  • تقري الضيف

ما أكرم الناس إذا نزلوا بدارك! وما أعظمهم إذا حلوا بحضرتك! أوقدت القدور، وقضيت الحاجات، فإن بات الضيف بدارك بات آمنًا عزيزًا، وإن انصرف؛ فمُكرم مسرور.

  • تعين على نوائب الدهر

فمصائب الأيام كثيرة، وجراح الواقع كبيرة، فيأتيك طالب العون فتعينه على نائبته، ويأتيك المكروب فتعينه على كربته.. أنت الظَهر للبائسين، فأنت لجراحهم طبيب، وأنت ليتمهم أب.

 

وهذا هو منهج جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقول الله عنهم: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات..).

 

إبراهيم الخليل، بلغ هذه المنزلة بصناعته للمعروف، فقد روى البيهقي في الشعب بسنده إلى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يا جبريل لِم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال لإطعامه الطعام يا محمد)[الدر المنثور 2/706]

وهذا موسى عليه السلام: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير}[القصص:23-24]

وقال الله على لسان عيسى:{وجعلني مباركاً أينما كنت}[مريم:31] روى أبو نعيم وغيره بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسيره للآية: (جعلني نفاعاً للناس أين اتجهت){الدر المنثور5/509}

 

وأيضا هو منهج سلفنا الصالح بداية من الخلفاء الراشدين.

 

صنيع أبي بكر الصديق حين ولي الخلافة، فكان في كل يوم يأتي بيتاً في عوالي المدينة تسكنه عجوز عمياء، فينضج لها طعامها، ويكنس لها بيتها، وهي لا تعلم من هو، فكان يستبق وعمر بن الـخطاب إلى خدمتها. [أُسد الغابة 3/327]

ولما ولي عمر الخلافة خرج يتحسس أخبار المسلمين، فوجد أرملة وأيتاماً عندها يبكون، يتضاغون من الجوع، فلم يلبث أن غدا إلى بيت مال المسلمين، فحمل وقر طعام على ظهره وانطلق فأنضج لهم طعامهم، فما زال بهم حتى أكلوا وضحكوا . [الرياض النضرة1/385]

 

وعثمان وما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم وعلي وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم.

 

إن من يحرص ويسعى بجد واجتهاد ليوفر لك لقمة عيشك ويعينك على نوائب الدهر ويقف معك في حاجتك والله لتسعى في مساندته وعونه وتقدم له ما يريد وتتقبل منه ما يقول، فنتيجة أن الله ناصره على من ظلمه وأراد به مكرا هي نتيجة واضحة.

 

نحتاج أن نتفنن في ممارسة العبادات الاجتماعية فيما بقي لنا من عمر.

 

رضي الله عنك ياخديجة “كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

 

من فوائد صنائع المعروف:

 

1 – تقي من السوء: وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو أمامة: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب) [رواه الطبراني في معجمه الكبير ح8014، وقال الهيثمي: إسناده حسن 3/115]

2- دخول الجنة : عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإن أول أهل الجنة دخولاً أهل المعروف) [رواه الطبراني في الكبير ح8015]

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس) [مسلم ح1914]

3- مغفرة الذنوب والنجاة من عذاب وأهوال الآخرة: عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم فقالوا: أعملت من الخير شيئاً؟ قال: لا. قالوا: تذكر ،قال: كنت أداين الناس فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، قال: قال الله: عز وجل تجوزوا عنه). وفي رواية عند مسلم: (فقال الله أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي) [مسلم ح1560، البخاري ح2077]

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينا رجل بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر) [البخاري ح2466، مسلم2244].

 

 

.. هل نستطيع أن نربي أنفسنا على العبادات الاجتماعية؟

 

.. بدل أن ننفق الزكاة بطريقة توزيع المال للفقراء أن نفكر من خلال مال الزكاة أن نصنع مشروع لبعض الأسر ليستغنوا عن زكاتك يوما ما، ما هي برامجنا التدريبية مع أولادنا ليحبوا الضيف ويحملوا الكل ويصدقوا الحديث، هل صلتنا بالرحم في تزايد أم غير ذلك؟..

 

 

الشيخ خالد عبد الكافي

 

إمام وخطيب مسجد عائشة

facebooktwittergoogle plus

0

زيارة الإخوان

لقد عشنا أياما معدودات في رمضان وكانت من أجمل أيامنا ننهل من كتاب ربنا بالغداة والعشي نهارنا صيام وليلنا قيام ودعاء،زيارة الا خوان ومما رفع هممنا إلى هذه العبادات هو التعرف على أجورها والتنافس في العشر الأخيرة على بلوغ ليلة القدر فمنا القائم في تلك الليالي ومنا التالي للقران ومنا المتصدق وغير ذلك من العبادات (من قام رمضان إيماننا واحتسابا)….

 

نحتاج أن نتعرف على أن هناك أعمال حث عليها الإسلام وفيها من الأجوار ما قد نغفل عنه.. كلنا يسعى لأن يحبه الله وهذا المأمول والمرجو، إذا فتحت باب السيارة وانطلقت لزيارة من لا تريد منه مصلحة إنما جمعكم الحب في الله استمع إلى ما تجنيه..

 

يقول عليه الصلاة والسلام: (زار رجلٌ أخاً له في الله في قرية، فأرصد الله له ملكاً على مدرجته- يعني في الطريق-، فقال: أين تريد؟ قال: أخاً لي في هذه القرية، فقال: هل له عليك من نعمةٍ تربها؟ -وتربها: يعني تملكها وتستوفيها، تريد أن تحصل منه على شيء- قال: لا، إلا أني أُحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك، أن الله أحبك كما أحببته)..

 

ولا يتوقف الفضل عند هذا الحد بل يصل إلى وجوب محبة الله لك.

 

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتزاورين فيّ) وجاء أيضاً في حديثٍ آخر: (قال الله تعالى: حُقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون فيّ على منابرٍ من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء) [حديثٌ صحيح].

 

يا لله ولفضله وصل الأمر أن الأنبياء يغبطونك على المنابر من نور التي وهبك الله إياها.

 

وإن أردت أن تضمن مقعدا في الجنة وتعيش سعيد في الدنيا إلتمس زيارة من تحب.

 

يقول صلى الله عليه وسلم: (من عاد مريضاً، أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ: أن طبت وطاب ممشاك -هذا دعاءٌ له، بأن يطيب عيشه في الدنيا، وتبوأت من الجنة منزلاً) [رواه الترمذي وغيره]..

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن: (ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والصديق في الجنة، والمولود في الجنة -عندما يموت صغيراً – والرجل يزور أخاه في الله في ناحية المِصر في الجنة. ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ الودود الولود العئود التي إذا ظُلِمت -حتى وهي مظلومة- قالت: هذه يدي في يدك لا أذوق غمضاً حتى ترضه)..

 

والبعض يتصور أن هذه الزيارة ليست إلزامية في ديننا وأقول أحبتي لقد عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحقوق.

 

حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنها قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله بن عمرو ! ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلتُ: بلى يا رسول الله! قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإنَّ لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليكَ حقاً، وإن لزورك عليك حقاً) الزور: هم الزوار، يقول: الزوار لهم حق عليك، وأنت لا يصلح أنك تتفرغ للعبادات تفرغاً يمنعك من أداء حق الزوار.

 

وأيضا الزيارة لابد أن تكون فيها الملاطفة للصبيان.

 

عن أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، ويُسلم على صبيانهم، ويمسح رءوسهم).

 

وإذا كان الأموات يتزاورون فما بالك بزيارة الأحياء؟

 

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الحسن: (إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه، فإنهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم).

 

وختاما لا ننسى وصية الله لنا: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا  وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا)

 

الجيران ثلاثه: جار له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام، وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق الجوار.

 

برنامج عملي لزيارة الإخوان:

الأول : الزيارة بنية ليس فيها طلب مصلحة مع استشعار الأجر  ووضع مواعيد شهرية للزيارات لأن الله ورسوله جعلوها من الحقوق الآية: (واعبدوا الله….) الحديث: (وإن لزورك عليك حقا).

 

ثانيا : المداومة والاستمرار على الأعمال الصالحة (ولا تكونوا..)…

 

ومن تلك العبادات:

 

كما جاء في حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:”من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر” [رواه مسلم] يعني: صيام سنة كاملة.

 

الشيخ خالد عبد الكافي

 

إمام وخطيب مسجد عائشة

facebooktwittergoogle plus

0

الرد على اليهود

اقتحم مجموعة من اللصوص أحد الشقق ولم يكتفوا بالسرقة فقط بل وصل بهم الأمر بأنهم قالوا:الرد على اليهود

 

– نحن أصحاب هذه الدار!

 

فقام أصحاب تلك الشقة بالدفاع عن أنفسهم فإذ بالشرطة التي كان من المفترض أن تنصف المظلوم وتقف معه إلا أنها أخذت تطلب التنازل من صاحب الشقة لأحد الغرف لتكون ملكا لأولئك اللصوص .. هذا هو ما حدث وما زال يحدث لإخواننا في فلسطين المظلومين من قبل الصهاينة المغتصبين بدعم ممن يدعي أنه يريد حفظ السلام في العالم

 

فلسطين قبل أن تكون أرض وطين فهي عقيدة ودين..

 

أرض مباركة وفيها مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ….)

 

وقال (ونَجَّيْنَاهُ ولُوطاً إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:71].

5- وقال (ولِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا وكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) [الأنبياء]

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى” .

 

وعن ميمونة رضي الله عنها: “قلت يا رسول الله: أفتنا في بيت المقدس”، قال: “أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه؟ قال: فتهدي له زيتا يسرج فيه، فمن فعل فهو كمن أتاه“.

 

لقد ادعى اليهود أن أرض فلسطين إعطاء من الله لهم!

 

فقد جاء في التورة المحرفة: (قطع الرب مع إبراهيم ميثاقاً قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات).

 

كما يحتجون بتراث أنبياء بني إسرائيل في الأرض المقدسة، وسعيهم لإسكان أتباعهم فيها، ومد نفوذهم عليها كما فعل موسى ويوشع وداود وسليمان عليه السلام، غير أن الرؤية الإسلامية تنظر للأمر من زاوية مختلفة .

 

 ويمكن إجمال رد المسلمين على اليهود في النقاط التالية:

 

أولاً: يؤمن المسلمون بكل الأنبياء، والإيمان بالأنبياء من أركان الإيمان، والكفر بأي منهم ممن ثبتت رسالتهم (بما فيهم أنبياء بني إسرائيل) كفر يخرج عن الإسلام. غير أن المسلمين يؤمنون أن اليهود حرفوا التوراة، وكذبوا أنبياءهم وقتلوا عدداً منهم، ولم يتبعوا هداهم. ويؤمن المسلمون أنهم الأتباع الحقيقيون لهؤلاء الأنبياء، وأنهم ورثة رسالتهم، في هذا الزمان وليس باليهود.

 

وإذا كانت رابطة العقيدة والإيمان هي الأساس الذي يجتمع عليه المسلمون مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم، فإن المسلمين هم أحق الناس بميراث الأنبياء بما فيهم أنبياء بني إسرائيل، لأن المسلمين هم الذين لا يزالون يرفعون الراية التي رفعها الأنبياء، وهم السائرون على دربهم وطريقهم، وهؤلاء الأنبياء هم مسلمون موحدون حسب الفهم القرآني. وانظر قوله تعالى: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين).

 

فالشرعية التي أعطاها الله للأنبياء وأتباعهم في حكم الأرض المباركة المقدسة هي دلالة على شرعيتنا وحقنا في هذه الأرض وحكمها.

 

ثانياً: يؤمن المسلمون أن الله سبحانه وتعالى أعطى هذه الأرض لبني إسرائيل لفترة محدودة، عندما كانوا مستقيمين على أمر الله، وعندما كانوا يمثلون أمة التوحيد في الأزمان الغابرة، ولسنا نخجل أو نتردد في ذكر هذه الحقيقة وإلا خالفنا صريح القرآن، ومن ذلك قول موسى عليه السلام لقومه: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين)، غير أن هذه الشرعية ارتبطت بمدى التزامهم بالتوحيد والالتزام بمنهج الله، فلما كفروا بالله وعصوا رسله وقتلوا الأنبياء ونقضوا عهودهم وميثاقهم، ورفضوا اتباع الرسالة الإسلامية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم والذي بشر به أنبياء بني إسرائيل قومهم (الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل)، (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)، فلما فعلوا ذلك حلت عليهم لعنة الله وغضبه (قل هل ننبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل).

 

وبذلك تحولت شرعية حكم الأرض المقدسة إلى الأمة التي سارت على منهج الأنبياء وحملت رايتهم، وهي أمة الإسلام. فالمسألة في فهمنا ليست متعلقة بالجنس والنسل والقوم، وإنما باتباع المنهج.

 

من ادعاءاتهم (وقالت اليهود يد الله مغلولة)، (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء)، (وقالت اليهود عزير ابن الله).

 

(لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون) (وقتلهم الأنبياء بغير حق..).

 

وهكذا لم يعد اليهود مؤهلين لحمل أعباء الرسالة وتكاليفها، ففقدوا حقهم الديني في الأرض المقدسة.

 

ثالثاً: فضلاً عن فهمنا المسألة في أصلها الشرعي، فإذا كان الله قد أعطى إبراهيم عليه السلام ونسله هذه الأرض، فإن بني إسرائيل ليسوا وحدهم نسل إبراهيم، فالعرب العدنانيون هم من نسله أيضاً، وهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وإليهم تنتمي قبيلة قريش، التي ينتسب إليها محمد صلى الله عليه وسلم. وبالتالي فللعرب حقهم في الأرض.

 

رابعاً: إن القرآن الكريم يوضح مسألة إمامة سيدنا إبراهيم وذريته في شكل لا لبس فيه، وتأمل قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين).

 

فعندما سأل إبراهيم الله أن تكون الإمامة في ذريته بين الله له أن عهدهم لذريته بالإمامة لا يستحقه ولا يناله الظالمون، وأي ظلم وكفر وصد عن سبيل الله وإفساد في الأرض أكبر مما فعله بنو إسرائيل ويفعلونه!!

 

يزعم اليهود أن فلسطين هي أرضهم التاريخية، وأن تاريخهم وتراثهم قد ارتبط بها، وأنهم هم الأصل في هذه الأرض وغيرهم ليسوا من أبنائها:

 

أولاً: سكن الإنسان أرض فلسطين منذ العصور الموغلة في القدم، أي قبل حوالي مليون عام، وبنى أبناء فلسطين أقدم مدينة في العام “أريحا” قبل نحو عشرة آلاف سنة أي 8000 قبل الميلاد، وهاجر الكنعانيون من جزيرة العرب إلى فلسطين حوالي 2500 ق.م، وكانت هجرتهم واسعة بحيث أصبحوا السكان الأساسيين للبلاد، وعرفت البلاد باسمهم، وأنشأوا معظم مدن فلسطين وقراها، والتي بلغت في الألف الثاني قبل الميلاد حوالي مائتي مدينة وقرية، ومنها مدن شكيم (نابلس وبلاطة)، وبيسان وعسقلان وعكا وحيفا والخليل وأسدود وعاقر وبئر السبع وبيت لحم وغيرها.

 

ويرى ثقاة المؤرخين أن عامة أهل فلسطين الحاليين وخاصة القرويين هم من أنسال الكنعانيين والشعوب القديمة، مثل شعوب البحر “الفلسطينيون”، أو من العرب والمسلمين الذين استقروا في البلاد إثر الفتح الإسلامي لها، وامتزجوا بأهلها الأصليين، أي أن جذور الفلسطينيين الحاليين تعود إلى 4500 سنة على الأقل، وهم لم يغادروها أو يهجروها طوال هذه الفترة إلى أي مكان آخر.

 

لقد ادعى اليهود ارتباطهم المقدس بأرض فلسطين، وأنهم لم يخرجوا منها إلا قسراً، وأنهم لو سمح لهم لعادوا كلهم إليها، وهذا ينطوي على قدر هائل من المبالغة، إذ يذكر المؤرخون أن أغلب اليهود استنكفوا عن العودة إلى فلسطين بعد أن سمح لهم الإمبراطور الفارسي قورش بذلك. كما يجمع المؤرخون أن أعداد اليهود في فلسطين لم تزد على ثلث يهود العالم قبل أن يحطم الرومان القدس على يد تيتوس في القرن الأول الميلادي. والآن وبعد أكثر من خمسين عاماً على إنشاء الكيان اليهودي لا يزال أكثر من 60% من يهود العالم يعيشون خارج فلسطين، ويستنكفون عن الهجرة إليها، خصوصاً من تلك المناطق التي تتمتع بأوضاع اقتصادية أفضل كالولايات المتحدة وأوروبا الغربية.

 

لقد فتح المسلمون فلسطين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بعد هزيمة الروم في أجنادين واليرموك وغيرها، ودخلوا القدس في 15هـ / 636م. ومنذ ذلك الزمان اكتسبت فلسطين طابعها الإسلامي، ودخل أهلها في دين الله أفواجاً، وتعرب سكانها وتعربت لغتها بامتزاج أبنائها في ظل الحضارة الإسلامية مع القبائل العربية القادمة من الجزيرة، وظلت متحفظة بشكل عام بطابعها الإسلامي إلى عصرنا هذا، وإن عمر رضي الله عنه دخلها متواضعا قد امتلأت قدما بالطين الذي مر عليه في الطريق والذي فاجأ من يستقبله بذلك فرد قائلا نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.. وقد كتب رضي الله عنه هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها.

أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود.

وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن.

 

لقد احتل الصليبيون القدس وأنشأوا مملكة بيت المقدس بعد أن عاثوا فيها قتلا وظلما وإليكم ما نقل المؤرخ الغربي النصراني ديورانت عمن حضروا تلك المذابح وشاركوا فيها قولهم: “إنَّ النساء كن يُقتلن طعنًا بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء أمهاتهم، ويُقذف بهم من فوق الأسوار، أو تُهَشَّم رؤوسهم بدقها بالعمد”.

 

وذكر صاحب كتاب “أعمال الفرنجة”: “أن جثث قتلى المسلمين وُضعت في أكوامٍ حتى حاذتِ البُيُوتَ ارتفاعًا“.

 

وقد اختصر الصليبيّون وصف هذه المذابح الإرهابية المشينة في الرسالة التي أرسلوها إلى البابا يخبرونه بما فعلوا قائلين: “إذا ما أردت أن تعلمَ ما جرى لأعدائنا الذين وجدناهم بالمدينة، فثِقْ أنَّه في إيوان سليمان أو معبده كانت خيولنا تخوض في بحر من دماء الشرقيين المتدفّقة إلى ركبتيها“.

 

واستمر حكمهم 88 عاماً 1099 – 1187 إلى أن استطاع صلاح الدين الأيوبي تحريرها أثر معركة حطين، وفيما عدا ذلك فإن فلسطين نعمت بالحكم تحت راية الإسلام 636 – 1917، أي حوالي 1200 عام. وهي أطول فترة تاريخية مقارنة بأي حكم آخر، كان الحكم فيه مسلماً والشعب مسلماً، وهو ما لم يحظ به أي عهد آخر مر على فلسطين عندما تمكن “صلاح الدين” من الانتصار على المسيحيين في معركة حطين استشار العلماء والقيادات، فأشاروا عليه بتأمين الناس على أن يدفع كل واحد منهم مقدارًا محددًا من المال، ويسمح له بالخروج، ويعطي الناس مهلة أربعين يومًا لمن أراد الخروج منهم بهذه الشروط.

 

لقد وفَّى المسلمون النصارى بكل عهودهم بعد دخولهم القدس، فأخرجوا من أراد الخروج بالمبلغ المتفق عليه، وبقيت كنائسهم على ما هي عليه سوى ما أخذوه من مساجد المسلمين، وقد خرج كثير من كُبرائهم بأموالهم ولم يدفعوا عن ضعفائهم، وعلى رأسهم “بطريرك القدس” وجمعٌ كبير من رجال الدين النصارى والأمراء والقُوَّاد، وبذل بعض المسلمين من أموالهم فدية عن النصارى! وقد كان صلاح الدين -رحمه الله- رحيمًا بالضعفاء والأرامل، وأعِزَّة القوم الذين ذُلُّوا.

 

لقد حكم المسلمين على مر تاريخهم فلسطين كلها وليس بعضاً منهم. كما ضرب المسلمون المثل الأعلى في التسامح الديني، فوفروا حرية العبادة لليهود والنصارى، وأمنوهم على أموالهم وأرواحهم وأعراضهم، فكانوا خير من خدم الأرض المقدسة وحمى حرمتها ومنع سفك الدماء.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).

 

والمفاجئة يا أحبة أن ما يلصق بالمسلمين اليوم من إرهاب ليس إلا تخطيط إعلامي لإلصاق الإرهاب بالإسلام فمن أكبر الظلم تجاوز الحقائق التي تسفر عنها لغة الأرقام، واتهام الإسلام والمسلمين ظلما وعدوانا بعكس ما تبديه نتاجات ذوي العقول والأحلام، من مختلف المشارب والآفاق والأفهام.

 

أحبتي نحن لا ننكر بوجود إرهابيين من المسلمين غرر بهم وهم صغار في السن ولكن من الحيف أن إذا قام من يدعي الإسلام بعملية إرهابية نقلتها القنوات في العالم الغربي والعربي والإسلامي وفي جميع أنحاء الأرض وأما إذا قام بهذا الفعل من ديانة أخرى أغلقوا وغطوا فعله إعلاميا وإذا بلغ الأمر مداه قالوا مختل عقليا قام بذلك الفعل.

 

التركيز الإعلامي الغربي وللأسف حتى بعض العربي وتضخيمه لما يسمى الإرهاب الإسلامي، فقد أثبتت الأرقام الصادرة من مؤسسات غربية رسمية هامة أن ذلك مقصود، وإن كان غير صحيح.

 

ففي مارس/آذار 2007 أصدرت منظمة الشرطة الأوروبية تقريرا عن وضع واتجاه الإرهاب في الاتحاد الأوروبي، جاء فيه أنه في سنة 2006 حدثت 498 عملية إرهابية في دول الاتحاد الأوروبي 424 منها وقعتها منظمات انفصالية، و55 عملية قامت بها منظمات يسارية، و18 عملية قامت بها منظمات إرهابية مختلفة، وعملية واحدة فقط نفذت من طرف مسلم في ألمانيا! أي بنسبة 0.2%..

 

ومع ذلك فإن عدد المعتقلين المسلمين بتهمة الإرهاب وصل إلى 257 من مجموع 706 معتقلين أي بنسبة 36.4%، في حين لم يعتقل من الانفصاليين سوى 226 شخصا بنسبة 32% رغم أن نسبة عملياتهم بلغت 85.1%. ومع ذلك اعتبر التقرير أن مواجهة “الإرهاب الإسلامي تعد بمثابة أولوية” بالنسبة لدول الاتحاد.

 

355 عملية سنة 2001 عدت إرهابا 29 عملية منها فقط في منطقة الشرق الأوسط، و201 عملية في أميركا اللاتينية، ومع ذلك لم نسمع شيئا عن الإرهاب اللاتيني أو الكاثوليكي، لكننا سمعنا الكثير عن الإرهاب العربي والإسلامي”.

 

وهكذا تفند لغة الأرقام تهديد أوروبا من طرف ما سمي “الإرهاب الإسلامي”، لكن لغة الإعلام والسياسة لا تواكب هذا التفنيد بل تسير في اتجاه معاكس له تماما.

 

(يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).

 

 

 

الشيخ خالد عبد الكافي

 

إمام وخطيب مسجد عائشة

 

 

facebooktwittergoogle plus

0

عام جديد

عام جديد
ها هو العام الهجري يودعنا بأفراحه وأتراحه وحسناته وسيئاته فهنيئا لمن جعله في طاعة الله ومسكين من ضيعه في غفلة وحسرة..

يقول ابن القيم رحمه الله: (السّنة شَجَرَة والشهور فروعها وَالْأَيَّام أَغْصَانهَا والساعات أوراقها

والأنفاس ثَمَرهَا فَمن كَانَت أنفاسه فِي طَاعَة فثمرة شجرته طيبَة وَمن كَانَت فِي مَعْصِيّة فثمرته حنظل وَإِنَّمَا يكون الجداد يَوْم الْمعَاد فَعِنْدَ الجداد يتَبَيَّن حُلْو الثِّمَار من مرّها)

 

لنتعلم أحبتي من نبينا صل الله عليه وسلم المحاسبة الإيجابية وليست السلبية والتي كان يفعلها مع الصحابة رضوان الله عليهم طيلة أيام العام.. فلم يكن صلوات الله وسلامه عليه يسأل من اقترف منكم إثما اليوم أو من فعل منكم مشكلة اليوم كلا .. بل كان يقول كما جاء في الحديث الذي صححه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه :أَنَا. قَالَ:«فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه :أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه :أَنَا. قَالَ:«فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه :أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ».

 

وعند الطبراني في الكبير : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى اسْتَعْلَى بِهِ الضَّحِكُ، ثُمَّ قَالَ:«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا جَمَعَهُنَّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ إِلا مُؤْمِنٌ، وَإِلا دَخَلَ بِهِنَّ الْجَنَّةَ» .

 

كيف كان يعالج السلبيات صلوات الله وسلامه عليه عند الصحابة رضوان الله عليه «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ». قَالَ سَالِمٌ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلاً..

 

تخيل .. لو جاءك رجل وقال لك أريد أن أزني كيف تتعامل معه.. استمع لنبينا صلوات الله وسلامه عليه:

 

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : “إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه و قالوا : مه مه ! فقال : ادنه ، فدنا منه قريبا قال : فجلس ، قال : أتحبه لأمك ؟ قال : لا جعلني الله فداءك ، قال : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ، قال : أفتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك ، قال : ولا الناس يحبونه لبناتهم ، قال : أفتحبه لأختك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا الناس يحبونه لأخواتهم قال : أفتحبه لعمتك . قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا الناس يحبونه لعماتهم ، قال : أفتحبه لخالتك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا الناس يحبونه لخالاتهم ، قال : فوضع يده عليه وقال : اللهم اغفر ذنبه و طهر قلبه و حصن فرجه . فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء” . أخرجه أحمد

 

تخيل.. لو أن مجنونا دخل المسجد وبال في زاويته .. نعم.. مجنون! وليس برجل عاقل .. فماذا عسانا نتصرف معه؟

 

قال أنس بن مالك رضي الله عنه: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه ، دعوه) . فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له : (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر ، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن) . فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه.. وفي رواية أخرى قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحداً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لقد تحجرت واسعاً) . وقال : (إنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين . صبوا عليه سجلا من ماء – أو قال – : ذنوبا من ماء) .

 

نستطيع أن نستقبل العام الهجري الجديد بإيجابية وسعادة وسرور.. نحتاج أن نركز على إيجابياتنا وننميها ونغذيها ونقويها وننشغل بها ولا نلتفت للسلبيات إلا للتي فيها ما يغضب الله فنتوب إلى الله من عدم العودة إليها ونتعامل مع أنفسنا وأهلينا بالأسلوب النبوي العظيم مبتعدين عن جلد الذات المحبط .. وآخر الدواء الكي..

 

لنستفتح هذا العام بالتفاؤل والإيجابية مقتدين بنبينا صل الله عليه وسلم ولنبدأ: بأنفسنا ولنسامحها على ما اقترفت، ولنلزمها بعدم العودة لتسعد، ولنحضر لها من الشواهد والمعرفة بأن المحرمات ليست كبحا للحريات إنما هي ضمان لسلامتنا، إنما المحرمات كحقل ألغام لوحة مكتوب فيها(ممنوع الاقتراب خطر) عندها نفهم جيدا أنها لوحة رحيمة بنا جاءتنا من أرحم الراحمين ليحفظنا ويحفظ أهلينا ومجتمعاتنا

 

لنستفتح هذا العام بحسن الظن بالله.. يقول عبد الله بن مسعود  رضي الله عنه : “والذي لا إله غيرُه ما أُعطي عبدٌ مؤمن شيئاً خيراً من حسن الظن بالله عز وجل، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنَّه؛ ذلك بأنَّ الخيرَ في يده» [رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن].

 

وعن جابر  رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتَنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل» رواه مسلم.

 

وعن أبي هريرة  رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما يحكي عن ربِّه عز وجل- قال: «أذنب عبد ذنبا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أنَّ له ربَّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. اعمل ما شئت فقد غفرت لك» [رواه مسلم].

 

أي: ما دمتَ أنَّك تذنب وتتوب فإني أتوب عليك ولو تكرر الذنب منك.

 

وإني لآتي الذنب أعرف قدره   *  *  *   وأعلم أن الله يعفو ويغــفرُ

 

لئن عظَّم الناس الذنوب فإنها   *  *  *   وإن عظمت في رحمة الله تصغُرُ

 

قال أحمد بن أبي الحواري: وقفت بجانب أبي سليمان الداراني وهو لا يراني، فسمعته يناجي ربَّه ويقول: “لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك، ولئن طالبتني بتوبتي لأطالبنك بسخائك، ولئن أدخلتني النار لأخبرنَّ أهلها أني أحبك” [رواه البيهقي في شعب الإيمان].

 

لنستفتح هذا العام بالتسامح مع أنفسنا ومع الناس..

 

لنستفتح هذا العام بالإقبال على الله بقلوب نظيفة من الحقد والحسد والضغينة بالإقبال على الله بالتوبة الصادقة بالإقبال على الله بصلاة ليست كالأعوام الماضية نؤديها لننجزها بل نؤديها بحب وسكينة وخشوع وراحة بالإقبال على الله بالسؤال عن حال المسلمين وبذل ما نستطيع من إنقاذهم فخير الناس أنفعهم للناس..

 

بالإقبال على الله بألسنة ذاكرة لله تحجم عن الغيبة والنميمة والخوض فيما لا فائدة فيه..

 

بالإقبال على الله بحسن التعامل مع الناس..

 

بالإقبال على الله بأكل المال الحلال وبصلة الأرحام..

 

لنري الله من أنفسنا خيرا في افتتاح هذا العام الهجري الجديد..

 

جاء في الحديث القدسي: (ما من يوم إلاَّ وينادي: إني يوم جديد، وإنِّي على ما تفعل منِّي شهيد، فاغتنمني، فلو غابت شمسي، لَم تدركني إلى يومِ القيامة).

 

 

facebooktwittergoogle plus

0

السلام

السلام : لحسنه الذاتي وأثره الطيب صار اسماً من أسمائه تعالى. اسم لله منتشر ومتردد بين خلق الله في الدنيا وفي الجنة (تحيتهم يوم يلقونه سلام).

معاني عظيمة في هذا الاسم: (هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).

الله عز وجل هو السلام لسلامته من النقائص والعيوب ، فهو الذي سَلَام في ذاته بنوره وجلاله، فمن جماله وسبحات وجهه احتجب عن خلقه رحمة بهم وابتلاء لهم روى مسلم من حديث أَبِي مُوسَى رضي الله عنه أن النبي قال صلى الله عليه وسلم : (حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)، وهو الذي سَلَام في صفاته بكمالها وعلو شأنها ، وسلام أيضا في أفعاله بإطلاق قدرته وإنفاذ مشيئته ، وكمال عدله وبالغ حكمته ، وهو سبحانه الذي يدعو عباده إلى السلامة وإفشاء السلام فأثنى على عباده في قوله : (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً) [الفرقان:63]، وقال عليه الصلاة والسلام: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وهو الذي يدعو إلى سبل السلام باتباع منهج الإسلام كما قال : (يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ) [المائدة:16] ، وهو سبحانه الذي يدعو عباده إلى دار السلام ويبلغ من استجاب منهم إليها فقال : (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [يونس:25] ، فكل سلامة منشأها منه وتمامها عليه ونسبتها إليه.

وفي صحيح مسلم من حديث ثَوْبَانَ رضي الله عنه أنه قَالَ : ( كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا وَقَالَ : اللهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ).

 

عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض فأفشوا السلام بينكم).

قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال : (إن السلام اسم من أسماء الله ، وضعه الله في الأرض ، فأفشوه بينكم ، إن الرجل إذا سلم على القوم فردوا عليه كانت له عليهم فضل درجة ، لأنه ذكرهم السلام ، وإن لم يرد عليه رد عليه من هو خير منه وأطيب).

يزيد الحسنات ، ويمحو السيئات .

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : (السَّلامُ عَلَيْكُمْ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ النَّبِيُّصلى الله عليه وسلم عَشْرٌ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ، فَقَالَ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ ، فَقَالَ عِشْرُونَ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ، فَقَالَ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقَالَ ثَلاثُونَ) أي : حسنة .

اسم “السلام” اسم يجعلك في سلام، اسم “السلام” يهديك إلى سبل “السلام“، اسم “السلام” اسم ينقلك إلى دار “السلام“، الذي يعانيه البشر اليوم مما لا يوصف من القهر، والاستغلال، والقتل، والتشريد، والإفقار، والإذلال، الأرض الآن تضج في الشكوى إلى الله عز وجل، والله هو “السلام“.

إذاً من أسماء الله السلام إنك إذا ذكرته شعرت بالسلام، إنك إذا ذكرته زال عنك الخوف، إنك إذا ذكرته زالت عنك الوحشة، إنك إذا ذكرته أنست به، إنك إذا ذكرته اطمأننت، إذا ذكرته تشعر بالقرب منه إذا ذكرته تشعر أنه يدافع عنك وأنك في رعايته وفي حفظه وفي تأييده وفي توفيقه وفي رعايته يدافع عنك.

البعيدون عن الله عز وجل يأكل قلوبهم الخوف، يختل توازنهم ينسحقون لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم سلطاناً فألقى الله في قلوبهم الرعب، أما علامة المؤمن فهو مطمئن.

من معاني اسم السلام أنك إذا اتصلت بالله عز وجل طهرت نفسك من العيوب، وهنا ندخل في معانٍ دقيقة، وأول معنى أنّ ذاته جل جلاله تنزهت عن كل عيب وصفاته تنزهت عن كل نقص وأفعاله تنزهت عن كل شر، أي شر؟ هذا الشر المطلق أما الشر الهادف الذي يترتب عليه مصلحة للفرد والمجتمع ؟ فهذا علاج والعلاج يكون مر حتى لا يعود العبد إلى تلك المرارة إلا إذا أصر بأفعاله.

من المعاني الأخرى: أنه ذو سلامة أي يمنح السلامة لعباده إما في خلقهم، وإما في نفوسهم فذكر الله يورث الأمن والطمأنينة والسلامة.

قال ابن القيم: (وأما السلام فإنه الذي سلم من العيوب والنقائص ووصفه بالسلام أبلغ في ذلك من وصفه بالسالم ومن موجبات وصفه بذلك سلامة خلقه من ظلمه لهم فسلم سبحانه من إرادة الظلم والشر ومن التسمية به ومن فعله ومن نسبته إليه فهو السلام من صفات النقص وأفعال النقص وأسماء النقص المسلم لخلقه من الظلم ولهذا وصف سبحانه ليلة القدر بأنها سلام والجنة بأنها دار السلام وتحية أهلها السلام وأثنى على أوليائه بالقول السلام كل ذلك السالم من العيوب).

لنشاهد اسم الله السلام في خلق الله، فمثلا: الإنسان ينام هيكله العظمي له وزن، والعضلات التي فوق الهيكل العظمي لها وزن، وزن الهيكل مع ما فوقه من عضلات تضغط على ما تحته من عضلات، فإذا ضغطت الأوعية الدموية تضيق. الله عز وجل أودع بالإنسان مراكز للإحساس بالضغط، فإذا ضغطت العضلات، ومعها الأوعية التي تحت الهيكل العظمي.

هذه المراكز مراكز الضغط تعطي إشارة إلى الدماغ، لقد ضغطنا، الدماغ يعطي أمر إلى العضلات فينقلب الإنسان على شقه الآخر، وهو نائم، تصور

إنسان نائم تقلب أكثر من أربعين مرة قال تعالى: (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) [الكهف: 18].

تقلب الإنسان في نومه من أجل سلامته، الإنسان إذا أصيب بمرض السبات لابد من تقليبه، وإلا يتفطر لحمه، ينسلخ لحمه، وهذا من آيات الإعجاز العلمي، لولا أن أهل الكهف الذين مكثوا في كهفهم ثلاثمائة عام، لولا أن الله قلبهم لماتوا بعد شهر من إيوائهم في الكهف، (ونقلبهم)، فالتقليب تطبيق عملي لاسم الله ” السلام“.

وأنت نائم، وأنت غارق في النوم يتجمع اللعاب في فمك، تذهب إشارة إلى الدماغ. لقد زاد اللعاب في الفم، والدماغ يعطي أمرا -وأنت نائم- إلى لسان المزمار فيغلق فتحة الهواء، ويفتح فتحة المريء ويسري اللعاب إلى المعدة، هذا يتم من حين لآخر أثناء النوم، وأنت نائم، هذا من اسم ” السلام“.

لو أن الله ملكك حركة القلب، مستحيل أن تنام، إذا نام الإنسان مات فورا، لكن حركة القلب لا إرادية، تولاها عنك، تنام نوما عميقا والقلب ينبض.

لأن الله “سلام“، لو ذهب أحدنا إلى بلد في شمال الأرض بالمنطقة القطبية، يضع قبعة على رأسه، قفازات في يده، ويرتدي ثيابا صوفية، كل شيء له احتياط، إلا العين هل بإمكانه أن يغطيها؟ العين فيها ماء، والماء يلامس جو حرارته 69 تحت الصفر، نظريا يجب أن يفقد كل إنسان بصره هناك، لكن الله لأنه ” سلام” أودع في ماء العين مادة مضادة للتجمد، هذا من تطبيقات اسم “السلام“.

الطفل يولد لا يوجد قوة في الأرض يمكن أن تعلمه آلية معقدة جدا ألا وهي المص، يجب أن يضع شفتيه حول حلمة ثدي أمه، وأن يحكم الإغلاق، وأن يسحب الهواء، هذا منعكس آلي يولد مع الطفل، لو أنه في أثناء تغسيله بعد الولادة مباشرة وصلت إصبع الممرضة إلى شفتيه مصها، معه آلية المص، سماه العلماء منعكس المص، أحكم السلام سبحانه الإغلاق، وسحب الهواء، فأدر له السلام الحليب ليرتوي ويشربه بسلام، لا يوجد قوة في الكون تعلم الطفل. الله زوده بمنعكس آلي يمص ثدي أمه بإحكام، وبدقة، وبمهارة وقد ولد لتوه، هذه من تطبيقات اسم “السلام“.

خلقنا لنعيش في سلام ولنسعد وليس لنعيش في سوء وذلة وهوان.. ولكن عندما لا نستوعب معادلات الحياة وأن السعادة تكمن في مفهوم العبادة الواسع (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون)، فعدم الاستجابة يولد معيشة ضنكا (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آيتي فنسيتها وكذلك اليوم تنسى).

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وهنا توضيح بطريقة أخرى لمن لم يفهم بعد معادلات الحياة (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والأخرة فليمدد بسبب ..).

وردَ ذكرُ السلامِ في القرآن مُتصرِّفًا أربعًا وأربعين مرَّةً، في حين أن لفظَ الحرب لم يرِد في الكتاب الحكيم إلا ستَّ مراتٍ، والمسلمون يقولون كلَّ يومٍ وليلة لفظَ السلام عشر مراتٍ؛ وذلك اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرَف من صلاته؛ حيث كان يقول: (أستغفرُ الله. أستغفرُ الله. أستغفرُ الله. اللهم أنت السلامُ، ومنك السلامُ، تبارَكتَ ذا الجلالِ والإكرامِ) [رواه مسلم].

فالسلامُ دينُ الله في الأرض، وفي ميدان الحربِ والقتالِ إذا بذلَ العدوُّ كلمةَ السلام وجبَ الكفُّ عنه واعتبارُه مُسلمًا مُتمتِّعًا بالسلام؛ عملاً بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء: 94].وقد جعل القصاص لإكمال مسيرة السلام في الحياة.. إذا أصيب عضو في الجسد مثل إصباع الإنسان بغرغينة لابد أن يبتر حتى يبقى الجسد سليما .

أهل الجنة تحيَّتهم يوم يلقَون ربَّهم (سلامٌ) : (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) [الأحزاب: 44]، والملائكةُ حينما يدخلون على أهل الجنة يُلقون عليهم السلام: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 23، 24].

ويحيا أهل الجنة وتحوطهم كلمات السلام: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) [الواقعة: 25، 26].

وقد أحسنَ أبو حاتم البُستيُّ – رحمه الله – حينما ضربَ مثلاً عن أحد شيوخه أن صيَّادًا كان يصطادُ العصافيرَ في يومِ ريحٍ، قال: جعلَت الرياحُ تُدخِلُ في عينَيْه الغُبار فتذرِفان، فكلما صادَ عصفورًا كسرَ جناحَه وألقاه في ناموسَة، فقال رجلٌ لصاحبِه: ما أرقَّه عليهم، ألا ترى دموعَ عينيْه! قال الآخر: لا تنظُر إلى دموعِ عينيْه، ولكن انظُر إلى عملِ يديْه!.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [البقرة: 208، 209].

​الأستاذ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

facebooktwittergoogle plus