0

حلاوة الإيمان

بهذه الشهادات حصلنا على المتعة وهي لذة وحلاوة المأكل والمشرب والمركب والمسكن وكل المتع التي نبحث عنها أو بغيرها من الحرف والمهارات، لكن السؤال هنا؛هل حصلنا على متعة ولذة وحلاوة الإيمان..حلاوة الإيمان لا تحتاج إلى ثلاث مراحل دراسية إنما تحتاج إلى ثلاث خصال من وجدت فيه وحصل عليها عاش سعيدا في الدنيا والآخرة

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ

وهناك فرق بين حقيقة الإيمان وبين حلاوة الإيمان..

(فحقائق الإيمان شيء، وحلاوة الإيمان شيء آخر؛ حقائق الإيمان يكتسبها الإنسان من خلال المدارسة والتعليم، وحلاوة الإيمان تتأتى للمؤمن من خلال المجاهدة (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم..)، حقائق الإيمان ـ إن لم يُعمل بها ـ تستقر في الذاكرة، ولا تسمو بالإنسان ولا تسعده ؛ بينما حلاوة الإيمان ثمرة يانعة من ثمرات مجاهدة النفس والهوى، تنبع من القلب، وتستقر به، وتسمو بالإنسان وتسعده، ولا يشدّ الإنسان إلى الدين حقائق الإيمان ـ وحدها ـ بل حلاوة الإيمان، التي تدفعه إلى بذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، حقائق الإيمان أن تطلع على خارطة لقصر منيف، بينما حلاوة الإيمان أن تسكن ذلك القصر، حقائق الإيمان أن تتلفظ بكلمة ألف مليون، بينما حلاوة الإيمان أن تملكها، لأن حقائق الإيمان يدركها الإنسان بالعقل، فيقنع بها، وقد تغلبه نفسه فيخالفها، وحلاوة الإيمان يتذوقها القلب، فتجعله يهتز فرحا، تدفعه إلى أجلّ الأعمال، وأعظم البطولات.

فالمريض يجد طعم العسل مراً، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه وكلما نقصت الصحة نقصاً ما، نقص تذوق الحلاوة بقدر ذلك، وكذلك الإنسان يذوق حلاوة الإيمان، بقدر طاعته للواحد الديان) [النابلسي].

المؤمن يا أحبة هو أسعد الناس لأنه اتصل بالله،ضعفه يلغى فيصبح غنا لأنه اتصل بالله، جهله يلغى فيصبح عالما لأنه اتصل بالله (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم).

لذلك قالوا السكينة يسعد بها العبد ولو فقد كل شيء ويشقى بها العبد ولو ملك كل شيء ..إن أردت أن تختبر إيمانك في حياتك الواقعية فسأل نفسك لو وصلت درجة حرارة أحد أولادنا لأربعين درجة في نصف الليل ماذا سنفعل.. أكيد سنسارع للطبيب لحبنا وخوفنا عليهم،وهذا مطلوب .. ولكن إذا كان الأمر نداء لصلاة الفجر كيف سنذهب (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) اللهم لا تجعلنا ممن قلت فيهم (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) هل أنا ممن إذا وقف في طابور لأخذ طعام أو انتظار للكشف عند الطبيب أتأفف وأتبرم أم استغل الوقت الذي يجعلني في طمأنينة بقول سبحان الله وبحمده 100 مرة أو …فيطمئن قلبي لذكره (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

إن أم جريج عندما انشغل عنها ولدها بصلاته عرفت السر في انشغاله وهي حلاوة الإيمان التي امتلأت قلبه فلم تجعله يلتفت لأمه، فما كان لها حل إلا أن تدعو على ولدها بأمر يقلل من حلاوة الإيمان التي في قلبه فينصرف عن صلاته ليستجيب لها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ,عيسى ابن مريم, وصاحب جريج .وكان جريج رجلا عابدا فاتخذ صومعة, فكان فيها, فاتته أمه وهو يصلي, فقالت: يا جريج ,فقال: يا رب أمي وصلاتي, فأقبل على صلاته ,فانصرفت فلما, كان الغد أتته وهو يصلي, فقالت: يا رجريج, فقال يارب أمي وصلاتى ,فأقبل على صلاته, فانصرفت ,فلما كان في الغد أتته وهو يصلي ,فقالت: يا جرج ,فقال أي رب أمي وصلاتي, فأقبل على صلاته, فقالت اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات … فتذكر بنوا اسرائيل جريجا وعبادته, وما حصل معه .فكانت إمرأة بغي يُتمثَّل لها بالحسن والجمال ,فقالت: إن شئتم لأُفتننَه لكم. قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته ,فأمكنته من نفسها ,فوقع عليها فحملت فلما ولدت قالت: هو من جريج فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه, فقال ما شأنكم, قالوا زنيت بهذه البغي فولدت منك ,فقال أين الصبي فجاءوا به فقال: دعوني حتى أصلي, فصلى فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال يا غلام من أبوك ؟قال فلان الراعي ,قال :فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب ,قال لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا)

حتى نصل لحلاوة الإيمان لابد أن يدفع الثلث الأول من الثمن (أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا الله).

لو سألنا المليار مسلم هل الله ورسوله أحب إليك من كل شيء؟ لقال: نعم. لكن حقيقة أليس يقدم محابه على محاب الله؟

محاب الله:

أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به.

الثاني: التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض.

الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر هذا.

الرابع: إيثار محبته على محبة نفسك عند غلبات الهوى.

الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة وميادينها.

السادس: مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة.

السابع: وهو أعجبها انكسار القلب بين يديه.

الثامن: الخلوة وقت النزول الإلهي وتلاوة كتابه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب كلامهم، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك.

العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.

وأما رسوله بحبه صلى الله عليه وسلم واتباع أوامره في أفعاله وأقواله وكل ما يكون في إقراره الثلث الثاني من الثمن، (وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ)، وذلك من لوازم محبة الله تعالى، قال شارح الطحاوية: (فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال، والله يحب المحسنين ويحب المتقين ويحب التوابين ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله، والله لا يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا نحبهم أيضاً، ونبغضهم موافقة له سبحانه وتعالى، فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته). انتهى.

والثلث الأخير من الثمن (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)، قال الحافظ ابن حجر: (فإن قيل فلم عدى العود (بفي) ولم يعد (بإلى)؟ فالجواب: أنه ضمنه معنى الاستقرار، وكأنه قال: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا) ).

أن الوقوع في نار الدنيا أحب إلى العبد المؤمن حقاً من العود في الكفر لأنه يؤدي إلى دخول نار الآخرة والخلود فيها.

 

​الأستاذ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

facebooktwittergoogle plus

0

مولد نبينا صلى الله عليه وسلم

السراج المنير صلى الله عليه وسلم هو الذي قال عنه ربنا (إنك لذو خلق عظيم) … إنك لصاحب خلق عظيم.. فلذو وصاحب تفيد بأنه سيكون صاحب خلق ولكن قد يصاحبه وقتا فيتركه، فكم من أناس كانوا أصحاب أخلاق، فعندما دخلت عليهم الدنيا تغيرت أخلاقهم، عندما أخذوا المناصب تغيرت مشيتهم تغيرت حركاتهم تغيرت معاملتهم، أما نبينا صلوات الله وسلامه عليه قال الله عنه (وإنك لعلى خلق عظيم) أي أنت على علو في أخلاقك، فأنت الأخلاق والأخلاق جزءا منك.

زكَّاه الله في عقله، فقال – سبحانه -: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)(النجم الآية: 2)، وزكَّاه في لسانه وكلامه فقال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) [النجم الآية: 3]، وزكَّاه في بصره، فقال: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)(النجم الآية: 17)، وزكَّى فؤاده، فقال: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)(النجم الآية: 11)، وزكَّاه في صدره، فقال: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (الشرح الآية: 1)، وزكَّاه في رحمته بالمؤمنين، فقال: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة من الآية: 128)، وزكَّى معلمه فقال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)(النجم الآية: 5)، وزكى أصحابه فقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (الفتح من الآية:29)، وزكاه وأثنى على أخلاقه كلها فقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم الآية: 4) .زكاه كله فقال (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)

الكون قرآن صامت والقرآن قرآن ناطق والنبي صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض، تخبر عنه عائشة رضي الله عنها وتقول (كان قرآنا يمشي على الأرض)، (كان خلقه القرآن)..

الله عندما ينادى موسى يقول يا موسى إنني أن الله.. ينادي يحي يا يحي..ينادى عيسى ..يا عيسى أأنت قلت للناس .. ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يناديه ربنا يامحمد بل (يا أيها النبي) (يا أيها الرسول).

مهما تحدث المتحدث فلن يكون حديثه أجمل وأرقى من حديثنا عمن قال فيه الشاعر:

وأجمل منك…

إنّ البخيل إذا ذكرتَ محمّدا
عقد اللسانَ ونال من فمه الردى
صلّوا على المختار ما صلّى الورى
جُعلت له روحي وأنفاسي فدا

لو امتدحنا رسولنا طوال حياتنا ولم نقتدى فماذا ستكون النتيجة؟

ستكون النتيجة مثل ذلك الشاب الأمي الذي أمضى وقته كله في مدح والده العالم العظيم الجهبذ.. سيبقى الابن جاهل وسيبقى الأب عالما إلى أن يعي الابن أن الاقتداء هو المخلص من جهله وضعفه وليس المديح والاحتفالات التي لا يعقبها عمل..

لماذا نرفض عيد الأم لأن بعض من الغرب لا يعرفون أمهاتهم إلا في ذلك اليوم، أما نحن فديننا يأمرنا أن نعرف أمهاتنا كل يوم، ومن حصافة البار أن لا ينساهم في عيد الفطر والأضحى من هدية تزيد الألفة والمحبة..

صدق الله إذ يقول (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون) إن معرفة رسولنا هي شطر الإيمان فالمسلم لا يكون مسلما حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله..

هل نحن تعلمنا سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم؟هل تربينا عليها؟

كيف نستطيع أن نقنع أولادنا أن يتركوا قدواتهم الدنيوية لتكون القدوة هو محمد صلى الله عليه وسلم؟

ديننا يا أحبة جعل المثالية أمر واقع وملموس، والمثالية لا تعيش إلا بالمثل الحي.

ليتنا نخرج ببرنامج عملي يا أحبة من خطبة اليوم .. لقاء أسبوعي مع أولادنا يكون الحديث فيه عن سيرة نبينا صل الله عليه وسلم،لن يستطيع أن يكون ولدك أو زوجك مقتديا بنبينا صلى الله عليه وسلم حتى يتعرف على سيرته..ولنحذر من مدخل الشيطان الذي يمنعناعن ذلك بحجة ضعف علمنا أو عدم قدرة ضبط أولادنا لذلك..

قراءة السيرة ستربي فينا وفي أزواجنا و أولادنا كيف يتعامل نبينا صلى الله عليه وسلم مع الأطفال فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العشاء؛ فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما بيده من خلفه أخذًا رفيقًا ويضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى إذا قضى صلاته أقعدهما على فخذيه)..

هل لو علمنا أولادنا ذلك سينزعجون من صوت بكاء طفل أو حركته في المسجد؟

قراءة السيرة ستربي فينا كيف يتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع زوجاته وذلك من خلال عَلاقته مع زوجه؛ فتجده أوَّل مَنْ يواسيها، يُكَفْكف دموعها، يُقَدِّر مشاعرها، لا يهزأ بكلماتها، يسمع شكواها، ويخفِّف أحزانها؛ فكان مثالاً يُحتذى، وقدوة حسنة يستفيد منها البيت المسلم على مرِّ القرون والأزمان

وصفت السيدة عائشة -رضي الله عنها- حال رسول الله صلى الله عليه وسلم كزوج داخل بيته، فقد كان صلى الله عليه وسلم (يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيُرَقِّعُ ثَوْبَهُ ). فكان تعامله مع زوجاته من منطلق الرحمة والحب، كما أنه تعامل أيضًا من منطلق أنه بشر مثل باقي البشر الأسوياء، الذين لا يَرَوْنَ غضاضة في مساعدة أزواجهم.

ومن عظيم محبَّته لهن -رضي الله عنهن- أنه صلى الله عليه وسلم كان يشاركهن المأكل والمشرب من نفس الإناء، فعن عائشة –رضي الله عنها- أنها قالت: (كُنْتُ أَشْرَبُ فَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ, وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فيَّ).

وكان يخرج معهن للتنزُّه لزيادة أواصر المحبَّة، فيروي البخاري: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ).

قراءة السيرة ستربي فينا الأدب حتى في دخول المنزل كان رسول الله إذا دخل بيته لف ثوبه حتى لا يزعج أحدا ,للثوب عند المشي حفيف فهل يعقل حفيفه يوقظ الأهل ,من شدة رقته ومن شدة رحمته ومن شدة عنايته بأهله يلف ثوبه عند دخوله البيت

قراءة السيرة ستربي فينا أن نعدل بين الناس يا فاطمة بنت محمد, أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، (من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه, لا يأتيني الناس بأعمالهم, وتأتوني بأنسابكم).

قراءة السيرة ستربي فينا عدم التفرقة بين الأمير والغفير‏

عَنْ ‏‏أَبِي هُرَيْرَةَ (‏‏أَنَّ ‏رَجُلًا أَسْوَدَ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ،‏ ‏كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ ؛ فَمَاتَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏عَنْهُ فَقَالُوا : مَاتَ ، قَالَ : أَفَلَا كُنْتُمْ ‏‏آذَنْتُمُونِي ‏بِهِ ‏؟ ‏دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ ‏، ‏أَوْ قَالَ : قَبْرِهَا ‏، فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا) [رواه البخاري ، ومسلم].

سيرته صلوات الله وسلامه عليه تحتاج منا إلى قراءة يعقبها عمل،وليس امتداح لا يعقبه اقتداء ،قلي من تريد أن تكون على منهجه وسيرته،أقل لك من أنت

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم..)

 

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [سورة الأنفال الآية: 33].

قال علماء التفسير: طبعاً في حياة النبي, ما دام النبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم, هم في بحبوحة من عذاب الله، في مأمن من عذاب الله، ولكن ما معنى هذه الآية: بعد انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى؟

معنى هذه الآية: ما دامت سنتك يا محمد في حياتهم، في بيوتهم، في تجارتهم، في كسب أموالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في حلهم، في ترحالهم، في شدتهم، في رخائهم، ما دامت سنتك مطبقةً في حياتهم, ما كان الله ليعذبهم, فإن أردت أن تكون في مأمن من عذاب الله, فطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
شيء آخر: قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [سورة الأنفال الآية: 33]

يعني أنت حينما تندم، وحينما تستغفر، وحينما تراجع نفسك، أنت في مأمن آخر من عذاب الله، أنت في مأمنين؛ في مأمن اتباع المنهج, وفي مأمن الندم على خرق المنهج، إن ندمت فأنت في مأمن, وإن سرت على الحق فأنت في مأمن، وحاجة الإنسان إلى الأمن حاجة كبيرة.

 

​الأستاذ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

facebooktwittergoogle plus

0

شكر النعم

شكر النعم

روي أن عروة بن الزبير رضي الله عنه أنه عندما أصيبت قدمه بالغرغرينة واستقر رأي الأطباء على بترها ، أُمر بشرب شراب أو أكل شيء يذهب عقله قال : (إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإن لا أحس بذلك ولا أشعر به) ، قال : فنشروا رجله من فوق الآكله من المكان الحيَّ احتياطاً أنه لا يبقى منها شيء وهو قائم يصلي فما تصور ولا اختلج فلما انصرف من الصلاة عزّاه الوليد في رجله.
ولما رأى رجله وقدمه في أيديهم أو في الطست دعا بها فتناولها فقلبها في يده ثم قال : (أما والذي حملني عليك أنه ليعلم أن ما مشيت بك إلى حرام) ، أو قال : إلى معصية . ثم أمر بها فغسلت وحنطت وكفنت ولفت بقطيفه ثم أرسل بها إلى المقابر .

وكان معه في سفره ذلك ابنه محمد ، ودخل محمد اصطبل دواب الوليد ، فرفسته دابة فخر ميتاً . فأتى عروة رجل يعزيه ، فقال : إن كنت تعزيني برجلي فقد احتسبتها . قال : بل أعزيك بمحمد ابنك ، قال : وماله ؟ فأخبره ، فقال :- دققوا هنا- (اللهم أخذت عضواً وتركت أعضاء ، وأخذت ابناً وتركت) أبناءًا . فما سمع منه شيء في ذلك حتى قدم المدينة فلما قدم المدينة . أتاه ابن المنكدر ، فقال ، كيف كنت ؟ قال (لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً) وقال : اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد ، وكان لي بنون أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد وأيم الله لئن أخذت لقد أبقيت ولئن ابتليت لطالما عافيت..

يالله وهل هناك درس في الشكر والحمد مثل ذلك الحمد والشكر.

العجب كل العجب إلى من يصاب بأقل من ذلك، فلا تجد في نفسه إلا الضجر والجزع والعياذ بالله

وصدق الله إذ يقول (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ) يقول الضحاك: هو بخيل منوع للخير، جَزُوع إذا نـزل به البلاء، فهذا الهلوع.

وقوله: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا) يقول: إذا قلّ ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك، لا صبر له عليه

يجزع من أقل شيء يصيبه.. يعني مثلا لو انقطع عليه الماء وهو يغتسل يتضجر ويسخط ويغضب ،والمشكلة الأشد من ذلك أنه ينسى أنه يسرف في الماء عند الغسل،ينسى الكميات الهائلة التي يستخدمها في الغسل، وينسى أن الله مقت الإسراف لدرجة أنه قال سبحانه (إنه لا يحب المسرفين)، ينسى أنه قد فعل ذنبا، يقول أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (يَغْسِلُ، أوْ كَانَ يَغْتَسِلُ، بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأ بِالمُدِّ). [متفق عليه]. والمد: عبارة عن نصف لتر والصاع اثنين من التر، وفوق ذلك النسيان لا يرحم من كان سببا في انقطاع الماء، صغيرا كان أم كبيرا وهذا نتاج طبيعي لمن يتضجر (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ).

ومع كل ذلك من الضجر إلا إنه ينسى إذا عاش في رغد عيش:

ينسى أن الله خلقه من عدم (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا).

ينسى أن الله وهبه ألوان شتى من الأرزاق (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ).

ننسى نعمة الخلق والرزق والحياة والعافية والذي والطعام والشراب والكساء والإيواء والسمع والبصر والعقل والحديث.

ننسى نعمة العلم والمشرب والمأكل ،و(علمك ما لم تكن تعلم )والتفضيل وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلا، والتسخير سخر لنا ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه.

وأيضا نعمة الأمن والآمان (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) ، وهنا الله قال نسي ما كان يدعو إليه من قبل.

ويقول الله تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ). { أعرض }: عن الشكر { وناء بجانبه }: ثنى عطفه متبختراً.

(وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه..) الآية.

إن كل ذلك يتطلب منا أن نتعرف على مستويات الشكر لله تعالى

فالشكر له مستويات ثلاث :

أول مستوى : أن تعرف النعمة ، لأن معرفة النعمة أحد أنواع الشكر ، هناك نعم كثيرة جداً مألوفة ، لكن هذه الألفة لهذه النعم ينبغي ألا تجعلنا ننساها .

إنسان عنده منزل ملك ، هذه نعمة كبيرة جداً ، لكنها مألوفة عند الناس ، فحينما تكون مألوفة يتوهم الإنسان أنها ليست نعمة ، لكن لو كان العكس لغضب الإنسان وزمجر ، نعمة أنك تتنعم بصحتك ، بأجهزتك ، بأعضائك ، بجوارحك ، بحواسك الخمسة ، نعمة أنه لك مأوى ، فكلما نقلت المألوفات إلى النعم زادك الله نعماً وكرمك ، هذا المستوى الأول ، أن تعرف أنها نعمة ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا ، وَسَقَانَا ، وَكَفَانَا ، وَآوَانَا ، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ)

نرى ونسمع ماذا يحل في إخوتنا في فلسطين وفي سوريا وفي العراق ، نعمة المأوى ، نعمة السلامة

المستوى الأعلى : أن يمتلئ القلب امتناناً لله عز وجل ، دون أن تشعر تلهج بحمد الله ، يا رب لك الحمد .

المستوى الأعلى والأعلى : أن تقابل هذه النعم بعمل صالح ، بخدمة عباده ، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى : ( اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا )

أما الشكر الحقيقي هو ما ترجم إلى عمل، يقول الله عز وجل في حديث قدسي :

( أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها… ) [ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ].

وفي حديث صحيح عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ :

( مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ ، التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ ) [رواه الإمام أحمد عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ].

​الأستاذ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

facebooktwittergoogle plus

0

(الاعتذار) ​خالد عبد الكافي

لماذا نتردد كثيرا في المبادرة بالاعتذار؟

هل الاعتذار منقصة ؟

أليس بالاعتذار يزداد المعتذر رفعة وسموا ؟

قد يقول قائل: لمن يُقدر ذلك!

أقول: من قال لك بأن الناس لا تقدر منك ذلك ؟ وهل بحثك عن تقدير الناس مقدم لديك على حب الله لك ورفعتك عنده؟

من الذي أفهمنا هذا الفهم الخاطئ بأن الخطأ لابد أن يكون 100% علي حتى أعتذر ؟

وهل لو كان نسبة الخطأ علي بـ40% والآخر عليه 60% .. هل انتظر منه أن يبادرَني بالاعتذار أم أسبقه أنا بالاعتذار حتى أنال أجر الاعتذار الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)..

أنا آسف .. أنا أخطأت.. أنا أعتذر.. سامحني .. أعتذر منك..

كلمات لا يبلغها إلا الرجال الحقيقيون، الذين لا يستنكفون عن أن يُقِرُّوا بأخطائهم، ويعترفوا بتقصيرهم، لا يرون في ذلك ذلاً أو غضاضة، بل يرونه عزًا ورفعة وقوة وسموا، ولا يرون فيه قصوراً، بل يرونه كمالاً.

فلنسارع أحبتي بالاعتذار قبل أن يأتي يوم لا نستطيع أن نعتذر (هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون)..

الخلاف حدث يا أحبة بين أفضل صحابين رضي الله عنهما وهذا ردٌ على من يحسب أن الخلاف لا يكون بين القدوات والقامات!

الخلاف حدث بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولكن كان هناك الاعتذار، والاعتذار يكون من الأفضل..

عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: (كنت جالسًا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم فقد غامر. فسلَّم، وقال: إنِّي كان بيني وبين ابن الخطَّاب شيء، فأسرعت إليه ثمَّ ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى عليَّ، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر. ثلاثًا، ثمَّ إنَّ عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا. فأتى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فسلَّم، فجعل وجه النَّبي صلى الله عليه وسلم يتمعَّر ، حتى أشْفَق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم. مـرَّتين، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كَذَبْت. وقال أبو بكر: صَدَق. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مـرَّتين، فما أُوذي بعدها).

قال العيني: “حتى أشْفَق أبو بكر” أي: حتى خاف أبو بكر أن يكون من رسول الله إلى عمر ما يكره.

الخطأ يحدث بين كبار الصحابة وصغارهم يحدث بين العلماء بين الأمراء بين القدوات بين الأتقياء بين جميع الناس.. الخطأ يحدث، ولكن يتبعه الاعتذار، لأن الاعتذار يقي الناس من الهلاك لأن الاعتذار يصفي القلوب، الاعتذار يورث مودة الله، الاعتذار يورث التواضع، الاعتذار يشجع على فعل الخير، بل إن التراجع عن الخطأ بالاعتذار، خير من التمادي في الباطل بالاستكبار، ومن أنصف الناس من نفسه، لم يزده الله تعالى إلا عزًّا.

لقد أصّل رسول الله صلى الله عليه وسلم لثقافة الاعتذار بين الناس بما يبعث بينهم المحبة، ويزرع فيهم الثقة والمودة، فنهى عن الهجر فوق ثلاث ليال، وجعل لمن بادر بالاعتذار وإلقاء السلام الفضل والرفعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).

إن الاعتذار مظهر حضاري، يدل على احترام الإنسان لنفسه، وتقديره لغيره، فلا ينبغي لعاقل أن يتعالى عنه، فقد قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أعقل الناس أعذرهم لهم).

وقد تجلت حضارة المسلمين وكانت القوة في أيديهم عندما فهموا بصدق وإدراك أنهم يعيشون من أجل رضاء الله ومن أجل ترسيخ دين الله الذي لن يقام إلا على ميزان العدل.. يدخل قتيبة الباهلي إلى سمرقند فيهلل ويكبر فرحا بالفتح، فتصل الشكاية إلى عمر بن عبد العزيز بأن جيش المسلمين دخل من دون توضيح شروط المسلمين للدخول.. فما كان من جيش المسلمين إلا أن يعتذر بأكمله اعتذارا عمليا بخروجه من سمرقند بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز بعد أن وصلت إليه الشكاية، فحكم القاضي بخروج جيش المسلمين.. فكانت النتيجة أن أهل سمرقند رفضوا أن يخرج من ديارهم من يقيمون  ميزان العدل فيما بينهم وبين أعدائهم وبين الناس جميعا.

ما أجمل أن تنتشر ثقافة الاعتذار في بيوتنا، فيعتذر الزوج لزوجه، وتعتذر الزوجة لزوجها، إن بدر من أحدهما خطأ، وذلك بكلمة تبعث في نفس الطرف الآخر الرضا والقرار، وتشعره بإعادة الاعتبار، وتوثق بينهما عرى المحبة والاستقرار، وقد روي عن أبي الدرداء أنه قال لزوجته أم الدرداء رضي الله عنهما: (إذا غضبتِ أرضيتك، وإذا غضبت فأرضيني، فإنك إن لم تفعلي ذلك فما أسرع ما نفترق). وبذلك يكون الأبوان قدوة لأولادهما في الاعتذار والعفو والتسامح، والحب والتصالح.

إن الاعتذار شجاعة لا تقلِّل من قيمة المرء، بل تزيده مكانة ورفعة، ولو كان من أب لابنه، أو أستاذ لطالبه، أو مدير لموظفه، فهذه مروءة وشهامة ونبل وكرامة.

ولنحذر من ترك الاعتذار مظنة شماتة المُعتذر له ونشر ذلك بين الناس.. فثق تماما أخي أن كل ذلك ظن من تلبيس الشيطان حتى لا تحرك شفتيك بالاعتذار.. وإن حدث ذلك فأعتقد أنه لا يهمك ذلك لأنك تعتذر إرضاء لله وثق تماما بربك لأنك ستنهل من اعتذارك كل ألوان الخير في الدنيا والآخرة.

الاعتذار يكون بعبارات جميلة، وكلمات حسنة رقيقة..

يقول محمد الإسحاقي :

إذا اعتذر الجاني محا العذرُ ذنبَه ***  وكان الذي لا يقبلُ العُذرَ جانيا

وصدق الله إذ يقول: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عظيم).

ومما يدمي القلب ، ويفطر الفؤاد كمدا أن هناك من يجلس بيننا ويصلي معنا وهو يعاند ويكابر  ويصر ويستكبر في  أن لا يطلق شفتاه ليعتذر لوالداه.. عجيب أمر هذا الذي لا يريد أن يقول: أمي أنا آسف، أبي أنا آسف..

– لماذا لا تعتذر؟..

يقول: وما يدريك أيها المسكين ماذا قال لي والدي ماذا فعلت في أمي؟..

هل هناك أشد من هذا الظلم؟ لا حول ولا قوة إلا بالله هل فعلوا كل ذلك.. نعم وأشد.. وهل تعلم ما هو المطلوب منك أم نسيت؟ الله يخبرك لو أنهم فعلوا أشد ألوان الظلم ليس بأمرك أن تزني أو أن ترابي كلا بل أمروك أن تشرك بالله  ليس ذلك فقط بل أخذوا يمارسون معك شتى أنواع الضغوط لتشرك  بالله: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا..) لو ظلموك أشد ألوان الظلم فعليك أن تحاور بأدب وتتكلم بأدب وتتحدث بأدب وتذهب إلى من يستطيع أن يؤثر عليهما .. والمطلوب منك أن تكون بارا بهما قولا وفعلا والله يتولى الحساب يوم القيامة..

الاعتذار يمحو الذنوب ..

(فمن عفا وأصلح فأجره على الله)

(ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)

اللهم طهر قلوبنا..

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

facebooktwittergoogle plus

0

(إيذاء الناس) خالد عبد الكافي

أوليس لأهمية يوصينا الله بها؟..

ولأولوية قد نغفل عنها فيذكرنا الله بها؟..

عندما يقدم الله القول للبشرية وليس للمسلمين فقط على الصلاة والزكاة ماذا عسانا أن نفهم من قوله: (وَقُولُوا لِلنَّاسِحُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..

هنا يقدم الله عز وجل القول الحسن على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة!

يقول الشيخ السعدي رحمه الله في ذلك: “ولما كان الإنسانُ لا يسعُ الناسَ بماله، أُمر بأمر يقدرُ به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قال تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

ومن أدب الإنسانِ الذي أدب الله به عباده، أن يكون الإنسانُ نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابه.

ثم أمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد..” [انتهى كلامه رحمه الله تعالى].

ويقول الله سبحانه في آية أخرى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَىالْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا..).

وهنا يقدم الله الشدة على الكفار المعادين والرحمة بين المسلمين على ركعا سجدا.

وها هو ذا نبينا صل الله عليه وسلم يدهشنا بهذا الحديث، عن أبي هريرة قال : (قال رجل: يا رسول الله إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال : هي في النار. قال : يا رسول الله فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وصدقتها وأنها تصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها بلسانها. قال: هي في الجنة) [أخرجه أحمد].

يا قوم.. متى نفهم ديننا الفهم الصحيح؟ ونستوعب جيدا أن أذى الإنسان شر حذرنا الله ورسول منه شر تحذير..

إسلامنا راعى حتى إيذاء المشاعر والأحاسيس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتناج اثنان دون واحد فإن ذلك يؤذي المؤمن والله عز وجل يكره أذى المؤمن) [رواه الترمذي].

قال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا).

إسلامنا راعى حتى تخطي الرقاب يوم الجمعة واعتبره من الأذى، عن عبد الله بن بٌسر رضي الله عنه : جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اجلس فقد آذيت).

إسلامنا راعى حتى ما يأكل المسلم قبل دخوله المسجد حتى لا يقع في الأذى، قال صلى الله عليه وسلم: (من أكل من هذه الشجرة المنتنة ـ البصل والثوم ـ فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الأنس).

إسلامنا راعى حتى رمي المخلفات واعتبرها من الأذى الكبير، ولو كانت نخاعة تكون في المسجد!

عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (عرضت علي أعمال أمتي ،حسنها وسيئها ،فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق،ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن).

وفي المقابل جزاء من قام بفعل يسير جدا لدفع إيذاء عن المسلمين ما جزاءه؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة) الجزاء دخول الجنة بسبب فقط إماطة أذى يسير عن الطريق!

وعندما سئل رسولنا صلى الله عليه وسلم عن أي الإسلام أفضل ماذا قال؟

عن أبي موسى الأشعري قال : قلنا يا رسول الله : أي الإسلام أفضل ؟ قال: (من سلم المسلمون من لسانه ويده) [متفق عليه].

ومن أراد أن يمس إيمانه وعقيدته بالسوء والعياذ بالله ولا يفعل ذلك إلا من آمن بلسانه ولم يلج الإيمان في قلبه، ذلك الذي لا يعبأ في الإيذاء أو التعيير أو تتبع العورات وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفضِ الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله). [رواه الترمذي].

ومن ذاك حال بعض الشباب حين يسير بسيارته مسرعا ليلهب حماس الأصحاب والأحباب حتى ولو كان على حساب الجيران.. هل فهم هذا الدين وفهم عقوبة الإيذاء ؟

عندما يسير الشاب أو الفتاة في الحي بالكلب الذي يروع المارة والذي يتأذى منه المشاة.. هل فهم هذا الدين؟

وقبل الأذى أين هم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ إِلا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ ) [رواه البخاري].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلا مَاشِيَةٍ وَلا أَرْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ) [رواه مسلم].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة) [متفق عليه].

أين دور الأب ودور الأم لذلك الولد على قبح وشناعة تربية الكلاب؟

أين دور الأب ودور الأم لذلك الولد على قبح وشناعة التفحيط في الشوارع والأحياء؟

من المسؤول عن هذا الإيذاء ؟

الإيذاء سبب في سخط الله عز وجل على العبد.. الإيذاء يمقته الله ويمقته الناس .. الإيذاء يفسد الأحوال ويعرض الأمة للزوال بسبب سكوتهم على الباطل .. الإيذاء يسبب العداوة والبغضاء بين المسلمين.. الإيذاء دليل سوء الأخلاق وانحطاط النفس وخبثها..

إيذاء المسلمين ورد فيه وعيد شديد وعقوبة أخروية قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِينا).

بل هناك تحذير شديد من رسولنا صلى الله عليه وسلم بشأن الجلوس في الطرقات لما يترتب على ذلك من كثرة المفاسد، ومن لم يجد المكان البديل فهناك شروط لابد أن يلتزم بها المسلم عند الجلوس:

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إياكم والجلوس في الطرقات فقالوا : يا رسول الله مالنا بد من مجالسنا نتحدث فيها فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه قالوا : وما حقه قال : غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [متفق عليه].

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

facebooktwittergoogle plus

0

الدنيا خالد عبد الكافي

new-donia2015 ليفعل ما يشاء كيفما يشاء من دون مساءلة من أحد.

وهناك من يأسر نفسه ويقيدوها بتفكيره النمطي وتقيده القبلي! والناس تختلف في أنماطها هذه وذلك لعدم معرفتهم لماذا خلقوا في الدنيا:

فهناك من يرى أنه خلق لأن الحياة فرصة وقد سخرت ليستثمرها كيفما يشاء..

وهناك من يرى أنه خلق للمتعة بجميع ألوانها..

وهناك من يرى أنه خلق في دار بلاء وامتحان.. وهنا تظهر الحقيقة التي يغفل عنها بعض الناس (الذي خلق الموت والحياة- لماذا يا رب؟- ليبلوكم أيكم أحسن عملا).

إذا نحن في دار بلاء واختبار عندما نتعرف على حقيقة الدنيا .. عندها نحدد ما نفعله فيها، مع بيان أن البلاء الذي نحن فيه لا يعني أن الإنسان يعيش مقطب الجبين تعيس الحال والمحال؛ فإن من يفعل ذلك فقد خالف هدي المصطفى صل الله عليه وسلم الذي هو أشد الناس بلاء، عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه ”ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم “، مع شدة البلاء والتبسم لا يفارقه صلوات الله وسلامه عليه.

الحياة حلوة وجميلة .. فلنسعد بما فيها ولنهنأ بما فيها ولكن لنحذر من أن ننسى أنها دار بلاء واختبار

ففيها الفقير ليختبر صبره والغني ليختبر شكره وعدم تقديم شهواته على أوامر ربه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).

من مشاكلنا التي نعيشها أننا لا نقرأ القرآن بوعي! قراءتنا القرآن بوعي سينتج:

المرأة التي فهمت سبب خلقتها في الحياة الدنيا لا تتعرى في الداخل كان أم في الخارج..

الشاب الذي فهم الحياة الدنيا لا يستهتر بأرواح المسلمين فيسير بسيارته كيفما شاء وحيثما أراد..

الرجل الذي فهم مراد الله من خلقه لا يأكل أموال الناس أو يزور أو يسيء الظن في المسلمين والمسلمات..

 

لماذا يضرب الله في أكثر من موضع تشبيه الدنيا بالماء؟

قـــــــــــال تعالى : { إِنَّمَا مَثَل الْحَيَاة الْدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاه مِن الْسَّمَاء فَاخْتَلَط بِه نَبَات الْأَرْض مِمَّا يَأْكُل الْنَّاس وَالْأَنْعَام حَتَّى إِذَا أَخَذَت الْأَرْض زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَت وَظَن أَهْلُهَا أَنَّهُم قَادِرُوُن عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلَا أَو نَهَارا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيْدا كَأَن لَم تَغْن بِالْأَمْس كَذَلِك نُفَصِّل الْآَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُوْن } [يُوْنُس:24].

وَقَــــــــــــال تَعَالَى أَيْضا : { وَاضْرِب لَهُم مَّثَل الْحَيَاة الْدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاه مِن الْسَّمَاء فَاخْتَلَط بِه نَبَات الْأَرْض فَأَصْبَح هَشِيَما تَذْرُوْه الْرِّيَاح } [الْكَهْف: مِن الْآَيَة45]

قال الحكماء: “شبّه الله – سبحانه وتعالى – الدُّنيا بالماء:

1- ﻷنّ الماء ﻻ يستقرّ في موضع، كذلك الدُّنيا ﻻ تبقى على حالٍ واحدة.

2- وﻷنّ الماء يذهب وﻻ يبقى، فكذلك الدنيا تفنى. ولا تبقى.

3- وﻷنّ الماء ﻻ يَقدر أحدٌ أن يدخلَه وﻻ يبتلّ، وكذلك الدُّنيا ﻻ يسلم أحدٌ من فتنتها وآفتها.

4- وﻷنّ الماء إذا كان بقدرٍ كان نافعًا مُنبتًا، وإذا جاوز المقدارَ كان ضاراًّ مُهلكًا، وكذلك الدُّنيا ؛ الكفافُ منها ينفع، وفضولُها يضرّ”. [الجامع ﻷحكام القرآن للقرطبيّ 289/13]

وَأَيْضا لَا يَقْدِر أَحَد أَن يَرُد الْمَطَر كَذَلِك لَا يَقْدِر أَحَد أَن يَرُد الْرِّزْق..

وَقِيْل الْمَاء قَلِيْلُه رَى لِلْعَطْشَان وَكَثِيْرِه دَاء كَذَلِك الْدُّنْيَا..

وَقِيْل الزَّرْع يُفْسِد بِالْمَاء الْكَثِيْر كَذَلِك الْقَلْب يُفْسِد بِالْمَال الْكَثِيْر..

وَأَيْضا الْمَاء كُلَّه لَا يَكُوْن صَافِيا كَذَلِك الْمَال فِيْه الْحَلَال وَالْحَرَام وَالْشُّبْهَة..

وَأَيْضا الْمَاء يُطَهِّر الْنَّجَاسَات كَذَلِك الْمَال الْطَّيِّب الْحَلَال يُطَهِّر دَنَس الْآَثَام..

ـ قد تلبس الأرض ثوباً أخضر فيه من كل أنواع الزينة والأعشاب والأزهار الطبيعية وجداول الماء فأشجار تتعانق في العلو ، وأعشاب تتسابق في فرش الأرض بمنظر يزيل الهم حتى يصل الأمر إلى أن الحقائق التي عند بعض الناس قد تتزعزع فيظن المسكين أن هذا المنظر لا فناء له ، فمتى يفنى منظر بهذه الصورة، وكيف ؟ ! كما قال الله عن بعض المخدوعين: ” وظن أهلها أنهم قادرون عليها ” فتبدلت حتى حقيقة الفناء التي يؤمن بها الجميع لكن لم تتبدل تلك الحقيقة إلا لمؤثر أكبر، وهو شدة ما رأى مما يبهر العقل من ذلك المنظر .

 

وكذلك الدنيا قد تقبل على شخص وتنفتح عليه حتى يظن أنها لن تدبر ، بل وكيف تدبر ؟! وفي النهاية يتبين أنها غرور وخداع لا يملك منها شيء .

الآيات التي صورت الحياة الدنيا ذلك التصوير تربي المسلم على التوازن في حياته، وبيان ذلك كما يلي:

قررت الآيات أن الدنيا فانية متاع زائل لا قيمة لها، لا تطلب ولا يركض وراءها.

ومع ذلك جاءت آيات تحث المسلم على العمل والكدح وطلب الرزق والضرب في الأرض. (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا..)

فهذان الخطابان يربيان في المسلم كيف يوازن بين الأمور والأدلة، فيعيش في الحياة الدنيا ويطلب رزقه ومع ذلك لا تدخل الدنيا قلبه ولا يتعلق بها.

فيعمل المسلم ويتاجر ويكدح ويجمع الأموال، لكنها تجتمع في يديه دون قلبه، ولذلك لا يحزن لفوت شيء منها ولا يفرح باجتماعها؛ لأنها لم تدخل قلبه، فضلاً أن يوالي لها ويعادي، ويغضب ويرضى لأجلها.

(تلك الدار الآخرة نجعلها..)

لا مقارنة أبداً بين الدنيا والدار الباقية دار السلام ” الجنة “، ومن تأمل النصوص ظهر له ذلك جلياً، فمثلاً:

أ ـ قال – صلى الله عليه وسلم-: “موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها” رواه مسلم.

ب ـ قال – صلى الله عليه وسلم – عن الحور العين: “ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها” رواه مسلم.

ج ـ قال – صلى الله عليه وسلم-: “يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا، والله ما مر بي بؤس قط” رواه مسلم.

الشيخ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة

facebooktwittergoogle plus

0

حق الأخوة خالد عبد الكافي

new-okhaa2015

دعوها فإنها مأمورة (الناقة) لتصل عند منزل أبو أيوب الأنصاري فينزل عنده الرسول صل الله عليه وسلم

كان أوّل عملٍ قام به النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد بناء المسجد تشريع نظام المؤاخاة ، والتي تمّ إعلانها في دار أنس بن مالك رضي الله عنه ، وهي رابطة تجمع بين المهاجريّ والأنصاريّ ، تقوم على توثّيق مشاعر الحب والمودّة ، والنصرة والحماية ، والمواساة بالمال والمتاع .

وهذه المؤاخاة أخصّ من الأخوّة العامة بين المؤمنين جميعاً ، وذلك لأنها أعطت للمتآخييْن الحقّ في التوارث دون أن يكون بينهما صلةٍ من قرابة أو رحم ، كما في قوله تعالى : { ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } ( النساء : 33 ) .

وقد استمرّ العمل بقضيّة التوارث زمناً ، حتى استطاع المهاجرون أن يألفوا المدينة ويندمجوا في المجتمع ، وفتح الله لهم أبواب الخير من غنائم الحرب وغيرها ما أغناهم عن الآخرين ، فنسخ الله تعالى العمل بهذا الحكم ، وأرجع نظام الإرث إلى ما كان عليه ، وذلك في قوله تعالى : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } ( الأنفال : 75 ) ، مع بقاء العمل بالنصرة ، وتبادل العطايا ، وإسداء المشورة والنصيحة ، وغيرها من معاني الأخوة .

وتذكر لنا مصادر السيرة أسماء بعض الذين آخى بينهم النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فقد آخى بين أبي بكر و خارجة بن زهير ، وآخى بين عمر بن الخطاب و عتبان بن مالك ، وبين أبي عبيدة بن الجراح و سعد بن معاذ ، وبين الزبير بن العوام و سلامة بن سلامة بن وقش ، وبين طلحة بن عبيد الله و كعب بن مالك ، وبين مصعب بن عمير و أبو أيوب خالد بن زيد رضي الله عنهم أجمعين ، وأسماء أخرى بلغت تسعين صحابيّاً .

وعند مراجعة أسماء هؤلاء الصحابة ، نجد أن تلك المؤاخاة لم تُقم وزناً للاعتبارات القبلية أو الفوارق الطبقية ، حيث جمعت بين القوي والضعيف ، والغني والفقير ، والأبيض والأسود ، والحرّ والعبد ، وبذلك استطاعت هذه الأخوّة أن تنتصر على العصبيّة للقبيلة أو الجنس أو الأرض ، لتحلّ محلّها الرابطة الإيمانيّة ، والأخوّة الدينيّة .

 

وقد سجّل التاريخ العديد من نذكر موقف من المواقف المشرقة التي نشأت في ظلّ هذه الأخوة ، ومن ذلك ما حصل بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن الربيع رضي الله عنهما ، حيث عرض سعد على أخيه نصف ماله ليأخذه ، بل خيّره بين إحدى زوجتيه كي يطلّقها لأجله ، فشكر له عبد الرحمن صنيعه وأثنى على كرمه ، ثم طلب منه أن يدلّه على أسواق المدينة ، ولم يمرّ وقتٌ قصير حتى استطاع عبد الرحمن بن عوف أن يكون من أصحاب المال والثراء .

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ ، بل إن كثيراً من الأنصار عرضوا على النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يقسم الأراضي الزراعيّة بينهم وبين إخوانهم من المهاجرين ، ولكنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – أراد أن تقوم هذه المواساة دونما إضرارٍ بأملاكهم ، فأشار عليهم بأن يحتفظوا بأراضيهم مع إشراك إخوانهم المهاجرين في الحصاد ، وقد أورث صنيعهم هذا مشاعر الإعجاب في نفوس المهاجرين ، حتى إنهم قالوا للنبي – صلى الله عليه وسلم – : يا رسول الله ما رأينا قوما قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ، ولا أحسن بذلا في كثير منهم ، لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كلّه ” ، كما كانت تضحياتهم ومواقفهم النبيلة سبباً في مدح الله لهم بقوله : { والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ( الحشر : 9 ) .

وقد حفظ النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا الفضل للأنصار ، فمدحهم بقوله : (لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً ، لسلكت في وادي الأنصار ) رواه البخاري ، وبيّن حبه لهم بقوله ( الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ، ولا يبغضهم إلا منافق ؛ فمن أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله ) رواه البخاري ، ودعا لأولادهم وذرياتهم بالصلاح فقال : ( اللهم اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار، ولأزواج الأنصار ، ولذراري الأنصار ) رواه أحمد ، وآثر الجلوس بينهم طيلة حياته فقال :( لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ) رواه البخاري .

وبهذا نستطيع أن نلمس عظمة هذا الجيل الذي تربّى على يد النبي – صلى الله عليه وسلم – ، عندما كانت الأخوة الإيمانيّة هي الأساس لعلاقاتهم ، فما أحوجنا إلى أن نتّخذ هذا المجتمع الفريد قدوة لنا في تعاملنا وعلاقاتنا .

ما هو حكم حقوقنا مع بعضنا البعض؟

قال الله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى (يجمع 3 حقوق) وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36].

قال ابن القيِّم – رحمه الله تعالى -: وكل مَن ذكر في هذه الآية، فحقه واجب وإن كان كافرًا؛ ا. هـ.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وسلم-:(أن رجلاً زار أخاً له في الله في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية ،قال :هل لك عليه من نعمة تربها ؟قال :لا، غير أني أحببته في الله عز وجل،قال:فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه).

ياالله بسبب زيارة واحدة يحبك الله ؟ هل نحن على وعي كامل بمعنى يحبنا الله ؟ (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر فيه ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعـطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ) .

إذن أيها الأخوة :الحب في الله سبب لنيل رضا الله ومحبته، وكذلك سبب لنيل أعظم المنازل عند الله يوم القيامة

عن أبي مالك الأشعري – رضي الله عنه- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أقبل على الناس بوجهه فقال: (يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عز وجل عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله)، فجاء رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى نبي الله – صلى الله عليه وسلم-؛ فقال: يا نبي! ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله؟! انعتهم لنا – يعني صفهم- فسر وجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لسؤال الأعرابي فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: (هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور،ويجلسهم عليها فيجعل وجوههم نوراً،وثيابهم نوراً يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون).

وعن أبي أمامة الباهلي – رضي الله عنه- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: (من أحب لله، وأبغض لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان).

 

إن المتحابين في الله قد أحبهم الله، فعن عمرو بن عبسة – رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يقول: (قال الله عز وجل: قد حقت محبتي للذين يتحابون من أجلي، وقد حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي، وقد حقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي، وقد حقت محبتي للذين يتصادقون من أجلي).

 

الشيخ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

facebooktwittergoogle plus

0

التفاؤل خالد عبد الكافي

new-tfaool2015

أصبحنا نعيش في عصر المسلم يقتل المسلم، ألا تنظر ما يحدث من حولك ؟سوريا مئات الآلف، فلسطين، العرق، اليمن، الفلبين، بورما، وغيرها في بقاع الأرض، والحال يزداد سوءا يوما بعد يوم، الفقر يهددنا، القتل يتربص بنا، الجوع يطرق أبوابنا..

طيبوا أرواحكم وأسعدوها بالصلاة والسلام على رسولناﷺ كان يعجبه الفأل، ويفرح بالكلمة الطيبة يسمعها، ولا يظن بالله إلا الظن الحسن، ولا يتوقُّع منه إلا الجميل.

وكان يبغض التشاؤم ..بل يدعو على من يتشاءم:

– مرض أعرابي فعاده، وقال: (لا بأس طهور إن شاء الله) .

فيُجيب الأعرابي: قلتَ طهور؟! كلا، بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تُزِيرُه القبورَ.

فغضب ﷺ وقال: (فنعم إذًا).

– محمد ﷺعلّم أصحابه التفاؤل، ووعدهم بالمستقبل المشرق، وهم قليلٌ مستضعفون في مكة يخافون أن يتخطفهم الناس.- يقول ﷺ لخباب رضي الله عنه: (والله لَيَتِمَّن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).

ماذا صُنع لخباب؟.. لقد حول كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خباب. الذي كان يصنع لهم منه السيوف.. حولوه كله إلى قيود وسلاسل ، كان يُحمى عليها في النار حتى تستعر وتتوهج، ثم يطوًق بها جسده ويداه وقدماه..

من يقتدي بنبينا صلى الله عليه وسلم، لقد احمر وجه نبينا صلى الله عليه وسلم عندما شكى خباب ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم على شدة الحال، وهم يقولوا لنبينا صل الله عليه وسلم: (ألا تستنصر لنا؟)

– كان ﷺ متفائلاً في كل أحواله وأحيانه، فقد بشّر ﷺ أصحابه بالفتوحات والانتصارات، وهم في أحلك الأوقات، وأصعب الظروف.

– رفع أبو بكرٍ رأسه في الغار، فإذا هو بأقدام القوم، فقال : (يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره لرآنا). فقال له: (اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما

– التفت ﷺ إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال له واثقاً بربه موقناً بوعده: (لا تحزن إن الله معنا)، لتغوص قوائم فرس المطارِد لهما في الأرض إلى بطنها، فيتعثّر، ويطلب الأمان!

– هاجر ﷺ إلى المدينة بحثاً عن موطئ قدمٍ لدعوته، وفي طريقه يبشر عدواً يلاحقه، يريد قتله، بكنزٍ يناله، وسواري مَلِكٍ يلبسهما، وأعظمُ من ذلك دينُ حقٍ يعتنقه، وينعم به.

– استعرض ﷺ ميدان المعركة في بدر، وأشار بيده إلى مصارع رؤوس الكفر، ومواقع تساقطهم، لينشر روح التفاؤل بالنصر في نفوس أصحابه، قبل أن يبدأ القتال.

– ضرب الصخرة في حفر الخندق، ومع كل ضربة كان يرى نصرا، كان يشاهد فتحا، في زمنٍ زاغت فيه الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظن غيره بالله الظنونا… (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا..) مع شدة الحصار من كل الأحزاب وشدة الجوع يضرب بالصخرة..

– جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ موفداً من قريش للتفاوض يوم الحديبية، فتفاءل ﷺ باسمه وقال: (لقد سَهُل لكم من أمركم).

– كان يتفاءل بالرؤيا الحسنة، ويتوقع منها الخير، ولا يحكي إلا هي، ولا يعبّر إلا إياها.

– رأى ﷺ في منامه أنه في دار عقبة بن رافع، فأُتي برطبٍ من رطب ابن طاب، فأولّها : (بالرفعة في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن دينه قد طاب).

– كان ﷺ لا يقف عند مجرد التفاؤل، بل يتجه منها إلى العمل. ففي أُحُد رأى ﷺ أنه في درع حصينة، ورأى بقرًا مُنَحَّرَة، فأولها بأن الدرعَ الحصينةَ المدينةُ، وأما البقر المنحّرة فقال: (هو والله خير).

تفاءل بهذه الرؤيا، وفي الوقت نفسه تعامل مع الموقف بما يقتضيه، فقد عرض الأمر على أصحابه، واستشارهم، وأخذ برأي الأغلبية، ثم استعدَّ فلبس سلاحه، وأخذ أُهْبَته.

– عُنِيَ ﷺ بالاسم الحسن، الباعث على التفاؤل، وغيَّر كثيرًا من الأسماء التي كانت تحمل دلالاتٍ غير مناسبة.

– غيَّر اسم امرأة من “عاصية” إلى (جميلة).

– وسأل رجلاً عن اسمه، فقال: أصرم، قال: (بل أنت زُرْعَة).

– و غيَّر ﷺ اسم أرضٍ يقال لها “عفرة” إلى (خضرة

– و”شِعْب الضلالة” إلى (شعب الهدى).

– و غيَّر ﷺ أسماء بعض القبائل، فسمَّى “بني مغوية” (بني رشدة).

– كافح ﷺ كل نظرة تشاؤمية لا ترى في الناس أملاً لصلاح أو إصلاح، وحذّر أصحابه من هذا السلوك حين قال لهم: (إذا قال الرجل: هلك الناس ! فهو أهلكهم).

صدق من قال؛ (ليس من العار أن نسقط ولكن من العار أن لا نستطيع النهوض) (التفاؤل فن تصنعه النفوس الواثقة بفرج الله).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يا بني اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون).

 

لا نريد تفاؤل من دون عمل نحتاج إلى التفاؤل المنتج الذي يتبعه العمل، في زمن غلب فيه اليأس، واستحكم لدى بعض المسلمين القنوط وللأسف الشديد..فبدل أن تلعن الظلام أوقد شمعة.

نريد من يتفاءل ويتحمل المسؤولية.. نريد من يتفاءل ويبحث عما وهبه الله من قدرات ومواهب ويسخرها في مرضات الله ، فالتميز الذي وهبك الله إياه هو رزق كما أن المال رزق فهذه الموهبة رزق كذلك.

نريد من يتفاءل ولا يقبل لنفسه ولا لزوجه ولا لولده فعل الحرام.. فيعيش لله وبالله ومع الله.

تفاءلوا أحسن الظن بالله.. اشترى رجل سيارة جديدة من المعرض فإذ به يدخل شارع فيه حفر مما جعله يخرج من سيارته ويسب ويشتم في البلدية وفي.. حدث نفس الموقف لرجل آخر.. قال: الحمد لله أن جعلنا نسير في هذا الشارع وليس في الآخر فقد يكون لو سرت في الشارع الآخر أبتلى بقتل رجل قاطع للطريق. ثم حول التفاؤل لعمل فصور الحفرة وأرسل الصورة للمسئولين.

 

الشيخ خالد عبد الكافي

إمام وخطيب جامع عائشة​

facebooktwittergoogle plus